فهرس الكتاب

الصفحة 865 من 8321

فإن قيل: الاستفهام على سبيل الإنكار إنما يتوجه على كلام باطل ، والمحكى عن يعقوب في هذه الآية ليس كلًاما باطلًا بل حقًا ، فكيف يمكن صرف الاستفهام على سبيل الإنكار إليه؟ قلنا: الاستفهام على سبيل الإنكار متعلق بمجرد ادعائهم الحضور عند وفاته هذا هو الذي أنكره الله تعالى . فأما ذكره بعد ذلك من قول يعقوب عليه السلام: { مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِى } فهو كلام مفصل بل كأنه تعالى لما أنكر حضورهم في ذلك الوقت شرح بعد ذلك كيفية تلك الوصية .

القول الثاني: في أن { أم } في هذه الآية متصلة ، وطريق ذلك أن يقدر قبلها محذوف كأنه قيل: أتدعون على الأنبياء اليهودية ، أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت؛ يعني إن أوائلكم من بني إسرائيل كانوا مشاهدين له إذ دعا بنيه إلى ملة الإسلام والتوحيد ، وقد علمتم ذلك فما لكم تدعون على الأنبياء ما هم منه برآء .

أما قوله: { إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ } ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: قال القفال قوله: { إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الموت إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ } أن { إذ } الأولى وقت الشهداء ، والثانية وقت الحضور .

المسألة الثانية: الآية دالة على أن شفقة الأنبياء عليهم السلام على أولادهم كانت في باب الدين وهمتهم مصروفة إليه دون غيره .

أما قوله: { مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِى } ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: لفظة { ما } لغير العقلاء فكيف أطلقه في المعبود الحق؟

وجوابه من وجهين: الأول: أن { ما } عام في كل شيء والمعنى أي شيء تعبدون . والثاني: قوله: { مَا تَعْبُدُونَ } كقولك عند طلب الحد والرسم: ما الإنسان؟

المسألة الثانية؛ قوله: { مِن بَعْدِى } أما قوله: { قَالُواْ نَعْبُدُ إلهك وإله آبَائِكَ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: هذه الآية تمسك بها فريقان من أهل الجهل . الأول: المقلدة قالوا: إن أبناء يعقوب اكتفوا بالتقليد ، وهو عليه السلام ما أنكره عليهم فدل على أن التقليد كاف . الثاني: التعليمية . قالوا: لا طريق إلى معرفة الله إلا بتعليم الرسول والإمام والدليل عليه هذه الآية ، فإنهم لم يقولوا: نعبد الإله الذي دل عليه العقل ، بل قالوا: نعبد الإله الذي أنت تعبده وآباءك يعبدونه وهذا يدل على أن طريق المعرفة هو التعلم .

والجواب: كما أنه ليس في الآية دلالة على أنهم عرفوا الإله بالدليل العقلي ، فليس فيها أيضًا دلالة على أنهم ما أقروا بالإله إلا على طريقة التقليد والتعليم ، ثم إن القول بالتقليد والتعليم لما بطل بالدليل علمنا أن إيمان القوم ما كان على هذه الطريقة بل كان حاصلًا على سبيل الاستدلال ، أقصى ما في الباب أن يقال: فلم لم يذكروا طريقة الاستدلال .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت