فهرس الكتاب

الصفحة 885 من 8321

المسألة الأولى: ولاه عنه صرفه عنه وولى إليه بخلاف ولى عنه ومنه قوله: { وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ } [ الأنفال: 16 ] وقوله: { مَا ولاهم } استفهام على جهة الاستهزاء والتعجب .

المسألة الثانية: في هذا التولي وجهان . الأول: وهو المشهور المجمع عليه عند المفسرين: أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة من بيت المقدس عاب الكفار المسلمين فقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها فالضمير في قوله: { مَا ولاهم } للرسول والمؤمنين والقبلة التي كانوا عليها هي بيت المقدس ، واختلفت الروايات في أنه E متى حول القبلة بعد ذهابه إلى المدينة فعن أنس بن مالك Bه بعد تسعة أشهر أو عشرة أشهر ، وعن معاذ بعد ثلاثة عشر شهرًا وعن قتادة بعد ستة عشر شهرًا وعن ابن عباس والبراء بن عازب بعد سبعة عشر شهرًا ، وهذا القول أثبت عندنا من سائر الأقوال وعن بعضهم ثمانية عشر شهرًا من مقدمه . قال الواقدي: صرفت القبلة يوم الاثنين النصف من رجب على رأس سبعة عشر شهرًا ، وقال آخرون: بل سنتان . الوجه الثاني: قول أبي مسلم وهو أنه لما صح الخبر بأن الله تعالى حوله عن بيت المقدس إلى الكعبة وجب القول به ، ولولا ذلك لاحتمل لفظ الآية أن يراد بقوله كانوا عليها ، أي السفهاء كانوا عليها فإنهم كانوا لا يعرفون إلا قبلة اليهود وقبلة النصارى ، فالأولى إلى المغرب والثانية إلى المشرق ، وما جرت عادتهم بالصلاة حتى يتوجهوا إلى شيء من الجهات فلما رأوا رسول الله A متوجهًا نحو الكعبة كان ذلك عندهم مستنكرًا ، فقالوا: كيف يتوجه أحد إلى هاتين الجهتين المعروفتين ، فقال الله تعالى رادًا عليهم؛ { قُل لِّلَّهِ المشرق والمغرب } واعلم أن أبا مسلم صدق فإنه لولا الروايات الظاهرة لكان هذا القول محتملًا والله أعلم .

المسألة الثالثة: قال القفال: القبلة هي الجهة التي يستقبلها الإنسان ، وهي من المقابلة ، وإنما سميت القبلة قبلة لأن المصلي يقابلها وتقابله ، وقال قطرب: يقولون في كلامهم ليس لفلان قبلة ، أي ليس له جهة يأوي إليها ، وهو أيضًا مأخوذ من الإستقبال ، وقال غيره: إذ تقابل الرجلان فكل واحد منهما قبلة للآخر ، وقال بعض المحدثين:

جعلت مأواك لي قرارًا ... وقبلة حيثما لجأت

أما قوله تعالى: { قُل لّلَّهِ المشرق والمغرب } فاعلم أن هذا هو الجواب الأول عن تلك الشبهة ، وتقريره أن الجهات كلها لله ملكًا وملكًا ، فلا يستحق شيء منها لذاته أن يكون قبلة ، بل إنما تصير قبلة لأن الله تعالى جعلها قبلة ، وإذا كان الأمر كذلك فلا اعتراض عليه بالتحويل من جهة إلى جهة أخرى ، فإن قيل: ما الحكمة أولًا في تعيين القبلة؟ ثم ما الحكمة في تحويل القبلة من جهة إلى جهة؟ قلنا: أما المسألة الأولى ففيها الخلاف الشديد بين أهل السنة والمعتزلة ، أما أهل السنة فإنهم يقولون: لا يجب تعليل أحكام الله تعالى ألبتة ، واحتجوا عليه بوجوه . أحدها: أن كل من فعل فعلًا لغرض ، فإما أن يكون وجود ذلك الغرض أولى له من لا وجوده ، وإما أن لا يكون كذلك ، بل الوجود والعدم بالنسبة إليه سيان ، فإن كان الأول ، كان ناقصًا لذاته مستكملًا بغيره ، وذلك على الله محال ، وإن كان الثاني استحال أن يكون غرضًا ومقصودًا ومرجحًا فإن قيل: إنه وإن كان وجوده وعدمه بالنسبة إليه على السوية إلا أن وجوده لما كان أنفع للغير من عدمه ، فالحكيم يفعله ليعود النفع إلى الغير قلنا: عود النفع إلى الغير ولا عوده إليه ، هل هما بالنسبة إلى الله تعالى على السواء ، أو ليس الأمر كذلك ، وحينئذ يعود التقسيم . وثانيها: أن كل من فعل فعلًا لغرض فإما أن يكون قادرًا على تحصيل ذلك الغرض من دون تلك الواسطة ، أو لا يكون قادرًا عليه . فإن كان الأول كان توسط تلك الواسطة عبثًا ، وإن كان الثاني كان عجزًا وهو على الله محال . وثالثها: أنه تعالى إن فعل فعلًا لغرض فذلك الغرض وإن كان قديمًا لزم من قدمه قدم الفعل وهو محال ، وإن كان محدثًا توقف إحداثه على غرض آخر ، ولزم الدور أو التسلسل وهو محال . ورابعها: أن تخصيص إحداث العالم بوقت معين دون ما قبله وما بعده إن كان لحكمة اختص بها ذلك الوقت دون ما قبله وما بعده كان طلب العلة في أنه لم حصلت تلك الحكمة في ذلك الوقت دون سائر الأوقات كطلب العلة في أنه لم حصل العالم في ذلك الوقت دون سائر الأوقات ، فإن استغنى أحدهما عن المرجح فكذا الآخر ، وإن افتقر فكذا الآخر وإن لم يتوقف ذلك على الحكمة فقد بطل توقيف فاعلية الله على الحكمة والغرض . وخامسها: ما سبق من الدلائل على أن جميع الكائنات من الخير والشر ، والكفر والإيمان ، والطاعة والعصيان واقع بقدرة الله تعالى وإرادته ، وذلك يبطل القول بالغرض ، لأنه يستحيل أن يكون لله غرض يرجع إلى العبد في خلق الكفر فيه وتعذيبه عليه أبد الآباد . وسادسها: أن تعلق قدرة الله تعالى وإرادته بإيجاد الفعل المعين في الأزل ، إما أن يكون جائزًا أو واجبًا ، فإن كان جائزًا افتقر إلى مؤثر آخر ويلزم التسلسل ، ولأنه يلزم صحة العدم على القديم ، وإن كان واجبًا فالواجب لا يعلل فثبت عندنا بهذه الوجوه أن تعليل أفعال الله وأحكامه بالدواعي والأغراض محال ، وإذا كان كذلك كانت فاعليته بمحض الإلهية والقدرة والنفاذ والاستيلاء ، وهذا هو الذي دل عليه صريح قوله تعالى: { قُل لّلَّهِ المشرق والمغرب } فإنه علل جواز النسخ بكونه مالكًا للمشرق والمغرب ، والملك يرجع حاصله إلى القدرة ، ولم يعلل ذلك بالحكمة على ما تقوله المعتزلة ، فثبت أن هذه الآية دالة بصريحها على قولنا ومذهبنا ، أما المعتزلة فقد قالوا: لما دلت الدلائل على أنه تعالى حكيم ، والحكيم لا يجوز أن تكون أفعاله خالية عن الأغراض ، علمنا أن له سبحانه في كل أفعاله وأحكامه حكمًا وأغراضًا ، ثم إنها تارة تكون ظاهرة جلية لنا ، وتارة مستورة خفية عنا ، وتحويل القبلة من جهة إلى جهة أخرى يمكن أن يكون لمصالح خفية وأسرار مطوية عنا ، وإذا كان الأمر كذلك: استحال الطعن بهذا التحويل في دين الإسلام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت