فهرس الكتاب

الصفحة 886 من 8321

المسألة الرابعة: في الكلام في تلك الحكم على سبيل التفصيل ، واعلم أن أمثال هذه المباحث لا تكون قطعية ، بل غايتها أن تكون أمورًا احتمالية أما تعيين القبلة في الصلاة فقد ذكروا فيه حكمًا . أحدها: أن الله تعالى خلق في الإنسان قوة عقلية مدركة للمجردات والمعقولات ، وقوة خيالية متصرفة في عالم الأجساد ، وقلما تنفك القوة العقلية عن مقارنة القوة الخيالية ومصاحبتها ، فإذا أراد الإنسان استحضار أمر عقلي مجرد وجب أن يضع له صورة خيالية يحسبها حتى تكون تلك الصورة الخيالية معينة على إدراك تلك المعاني العقلية ، ولذلك فإن المهندس إذا أراد إدراك حكم من أحكام المقادير ، وضع له صورة معينة وشكلًا معينًا ليصير الحس والخيال معينين للعقل على إدراك ذلك الحكم الكلي ، ولما كان العبد الضعيف إذا وصل إلى مجلس الملك العظيم ، فإنه لا بد وأن يستقبله بوجهه ، وأن لا يكون معرضًا عنه ، وأن يبالغ في الثناء عليه بلسانه ، ويبالغ في الخدمة والتضرع له ، فاستقبال القبلة في الصلاة يجري مجرى كونه مستقبلًا للملك لا معرضًا عنه ، والقراءة والتسبيحات تجري مجرى الثناء عليه والركوع والسجود يجري مجرى الخدمة . وثانيها: أن المقصود من الصلاة حضور القلب وهذا الحضور لا يحصل إلا مع السكون وترك الالتفات والحركة ، وهذا لا يتأتى إلا إذا بقي في جميع صلاته مستقبلًا لجهة واحدة على التعيين ، فإذا اختص بعض الجهات بمزيد شرف في الأوهام ، كان استقبال تلك الجهة أولى . وثالثها: أن الله تعالى يحب الموافقة والألفة بين المؤمنين ، وقد ذكر المنة بها عليهم ، حيث قال: { واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ } [ آل عمران: 103 ] إلى قوله: { إِخْوَانًا } [ آل عمران: 103 ] ولو توجه كل واحد في صلاته إلى ناحية أخرى ، لكان ذلك يوهم اختلافًا ظاهرًا ، فعين الله تعالى لهم جهة معلومة ، وأمرهم جميعًا بالتوجه نحوها ، ليحصل لهم الموافقة بسبب ذلك ، وفيه إشارة إلى أن الله تعالى يحب الموافقة بين عباده في أعمال الخير . ورابعها: أن الله تعالى خص الكعبة بإضافتها إليه في قوله: { بَيْتِىَ } وخص المؤمنين باضافتهم بصفة العبودية إليه ، وكلتا / الإضافتين للتخصيص والتكريم فكأنه تعالى قال: يا مؤمن أنت عبدي ، والكعبة بيتي ، والصلاة خدمتي ، فأقبل بوجهك في خدمتي إلى بيتي ، وبقلبك إلي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت