فهرس الكتاب

الصفحة 887 من 8321

وخامسها: قال بعض المشايخ: إن اليهود استقبلوا القبلة لأن النداء لموسى عليه السلام جاء منه ، وذلك قوله: { وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربى } [ القصص: 44 ] الآية ، والنصارى استقبلوا المغرب ، لأن جبريل عليه السلام إنما ذهب إلى مريم عليها السلام من جانب المشرق ، لقوله تعالى: { واذكر فِى الكتاب مَرْيَمَ إِذِ انتبذت مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًا } [ مريم: 16 ] والمؤمنون استقبلوا الكعبة لأنها قبلة خليل الله ، ومولد حبيب الله ، وهي موضع حرم الله ، وكان بعضهم يقول: استقبلت النصارى مطلع الأنوار ، وقد استقبلنا مطلع سيد الأنوار ، وهو محمد A ، فمن نوره خلقت الأنوار جميعًا . وسادسها: قالوا: الكعبة سرة الأرض ووسطها ، فأمر الله تعالى جميع خلقه بالتوجه إلى وسط الأرض في صلاتهم ، وهو إشارة إلى أنه يجب العدل في كل شيء ، ولأجله جعل وسط الأرض قبلة للخلق . وسابعها: أنه تعالى أظهر حبه لمحمد E بواسطة أمره باستقبال الكعبة ، وذلك لأنه E كان يتمنى ذلك مدة لأجل مخالفة اليهود ، فأنزل الله تعالى: { قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السماء } [ البقرة: 144 ] الآية ، وفي الشاهد إذا وصف واحد من الناس بمحبة آخر قالوا: فلان يحول القبلة لأجل فلان على جهة التمثيل ، فالله تعالى قد حول القبلة لأجل حبيبه محمد E على جهة التحقيق ، وقال: { فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا } [ البقرة: 144 ] ولم يقل قبلة أرضاها ، والإشارة فيه كأنه تعالى قال: يا محمد كل أحد يطلب رضاي وأنا أطلب رضاك في الدارين ، أما في الدنيا فهذا الذي ذكرناه وأما في الآخرة فقوله تعالى: { وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى } [ الضحى: 5 ] وفيه إشارة أيضًا إلى شرف الفقراء: { فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظالمين } [ الأنعام: 52 ] وقال في الإعراض عن القبلة: { وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءَهُم مّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العلم إِنَّكَ إِذَا لَّمِنَ الظالمين } [ البقرة: 145 ] فكأنه تعالى قال: الكعبة قبلة وجهك ، والفقراء قبلة رحمتي ، فإعراضك عن قبلة وجهك ، يوجب كونك ظالمًا ، فالأعراض عن قبلة رحمتي كيف يكون . وثامنها: العرش قبلة الحملة ، والكرسي قبلة البررة ، والبيت المعمور قبلة السفرة ، والكعبة قبلة المؤمنين ، والحق قبلة المتحيرين من المؤمنين ، قال الله تعالى: { فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله } [ البقرة: 115 ] وثبت أن العرش مخلوق من النور ، والكرسي من الدر ، والبيت المعمور من الياقوت ، والكعبة من جبال خمسة: من طور سينا ، وطور زيتا ، والجودي ، ولبنان ، وحراء ، والإشارة فيه كأن الله تعالى يقول: إن كانت عليك ذنوب بمثقال هذه الجبال فأتيت الكعبة حاجًا أو توجهت نحوها مصليًا كفرتها عنك وغفرتها لك فهذا جملة الوجوه المذكورة في هذا الباب ، والتحقيق هو الأول .

المسألة الخامسة: في حكمة تحويل القبلة من جهة إلى جهة ، قد ذكرنا شبهة القوم في إنكار هذا التحويل ، وهي أن الجهات لما كانت متساوية في جميع الصفات كان تحويل القبلة من جهة إلى جهة مجرد العبث ، فلا يكون ذلك من فعل الحكيم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت