فهرس الكتاب

الصفحة 931 من 8321

وخامسها: أن النوم في ذلك الوقت أطيب ، فيكون تركه أشق ، فوجب أن يكون ثوابه أكثر ، لقوله عليه السلام:"أفضل العبادات أحمزها"أي أشقها ، واحتج أبو حنيفة بوجوه . أحدها: قوله عليه السلام:"أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر". وثانيها: روى عبد الله بن مسعود أنه صلى الفجر بالمزدلفة فغلس ، ثم قال ابن مسعود: ما رأيت رسول الله A صلى صلوات إلا لميقاتها إلا صلاة الفجر ، فإنه صلاها يومئذ لغير ميقاتها . وثالثها: عن ابن مسعود قال: ما رأيت أصحاب رسول الله A حافظوا على شيء ما حافظوا على التنوير بالفجر . ورابعها: عن أبي بكر Bه أنه صلى الفجر فقرأ آل عمران ، فقالوا: كادت الشمس أن تطلع ، فقال لو طلعت لم تجدنا غافلين ، وعن عمر أنه قرأ البقرة فاستشرقوا الشمس ، فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين . وخامسها: أن تأخير الصلاة يشتمل على فضيلة الإنتظار ، وقال عليه السلام:"المنتظر للصلاة كمن هو في الصلاة"فمن أخر الصلاة عن أول وقتها فقد انتظر الصلاة أولًا ثم بها ثانيًا ومن صلاها في أول الوقت فقد فاته فضل الانتظار . وسادسها: أن التأخير يفضي إلى كثرة الجماعة فوجب أن يكون أولى تحصيلًا لفضل الجماعة . وسابعها: أن التغليس يضيق على الناس ، لأنه إذا كان الصلاة في وقت الغليس احتاج الإنسان إلى أن يتوضأ بالليل حتى يتفرغ للصلاة بعد طلوع الفجر ، والحرج منفى شرعًا . وثامنها: أنه تكره الصلاة بعد صلاة الفجر فإذا صلى وقت الإسفار فإنه يقل وقت الكراهة ، وإذا صلى بالتغليس فإنه يكثر وقت الكراهة .

والجواب عن الأول: أن الفجر اسم للنور الذي ينفي به ظلام المشرق ، فالفجر إنما يكون فجرًا لو كانت الظلمة باقية في الهواء ، فأما إذا زالت الظلمة بالكلية واستنار الهواء لم يكن ذلك فجرًا ، وأما الإسفار فهو عبارة عن الظهور ، يقال: أسفرت المرأة عن وجهها إذا كشفت عنه ، إذا ثبت هذا فنقول: ظهور الفجر إنما يكون عند بقاء الظلام في الهواء ، فإن الظلام كلما كان أشد كان النور الذي يظهر فيما بين ذلك الظلام أشد ، فقوله: «أسفروا بالفجر» يجب أن يكون محمولًا على التغليس ، أي كلما وقعت صلاتكم حين كان الفجر أظهر وأبهر كان أكثر ثوابًا ، وقد بينا أن ذلك لا يكون إلا في أول الفجر ، وهذا معنى قول الشافعي Bه أن الإسفار المذكور في الحديث محمول على تيقن طلوع الفجر وزوال الشك عنه ، والذي يدل على ما قلنا أن أداء الصلاة في ذلك الوقت أشق ، فوجب أن يكون أكثر ثوابًا ، وأما تأخير الصلاة إلى وقت التنوير فهو عادة أهل الكسل ، فكيف يمكن أن يقول الشارع: إن الكسل أفضل من الجد في الطاعة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت