{ أولئك الذين صَدَقُواْ وأولئك هُمُ المتقون } [ البقرة: 177 ] قال القفال C ليس الصبر أن لا يجد الإنسان ألم المكروه ولا أن لا يكره ذلك لأن ذلك غير ممكن ، إنما الصبر هو حمل النفس على ترك إظهار الجزع ، فإذا كظم الحزن وكف النفس عن إبراز آثاره كان صاحبه صابرًا ، وإن ظهر دمع عين أو تغير لون ، قال عليه السلام: « الصبر عند الصدمة الأولى » وهو كذلك ، لأن من ظهر منه في الإبتداء ما لا يعد معه من الصابرين ثم صبر ، فذلك يسمى سلوا وهو مما لا بد منه قال الحسن: لو كلف الناس إدامة الجزع لم يقدروا عليه والله أعلم .
المسألة الرابعة: في فضيلة الصبر قد وصف الله تعالى الصابرين بأوصاف وذكر الصبر في القرآن في نيف وسبعين موضعًا وأضاف أكثر الخيرات إليه فقال: { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا } [ السجدة: 24 ] وقال: { وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ الحسنى على بَنِى إسراءيل بِمَا صَبَرُواْ } [ الأعراف: 137 ] وقال: { وَلَنَجْزِيَنَّ الذين صَبَرُواْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [ النحل: 96 ] وقال: { أولئك يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ } [ القصص: 54 ] وقال: { إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [ الزمر: 10 ] فما من طاعة إلا وأجرها مقدرًا إلا الصبر ، ولأجل كون الصوم من الصبر قال تعالى: { الصوم لِى } فإضافة إلى نفسه ، ووعد الصابرين بأنه معهم فقال: { واصبروا إِنَّ الله مَعَ الصابرين } [ الأنفال: 46 ] وعلق النصرة على الصبر فقال: { بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءالافٍ مّنَ الملائكة } [ آل عمران: 125 ] وجمع للصابرين أمورًا لم يجمعها لغيرهم فقال: { أولئك عَلَيْهِمْ صلوات مّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ وأولئك هُمُ المهتدون } [ البقرة: 157 ] . وأما الأخبار فقال E: « الصبر نصف الإيمان » وتقريره أن الإيمان لا يتم إلا بعد ترك ما لا ينبغي من الأقوال والأعمال والعقائد ، وبحصول ما ينبغي ، فالاستمرار على ترك ما لا ينبغي هو الصبر وهو النصف الآخر ، فعلى مقتضى هذا الكلام يجب أن يكون الإيمان كله صبرًا إلا أن ترك ما لا ينبغي وفعل ما ينبغي قد يكون مطابقًا للشهوة ، فلا يحتاج فيه إلى الصبر ، وقد يكون مخالفًا للشهوة فيحتاج فيه إلى الصبر ، فلا جرم جعل الصبر نصف الإيمان ، وقال عليه السلام: « من أفضل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر ومن أعطى حظه منهما لم يبال ما فاته من قيام الليل وصيام النهار »