فهرس الكتاب

الصفحة 959 من 8321

الثاني: أنه رفع الجناح عن الطواف بهما لا عن الطواف بينهما ، وعندنا الأول غير واجب ، وإنما الثاني هو الواجب . الثالث: قال ابن عباس: كان على الصفا صنم وعلى المروة صنم وكان أهل الجاهلية يطوفون بهما ويتمسحون بهما فلما جاء الإسلام كره المسلمون الطواف بينهما لأجل الصنمين فأنزل الله تعالى هذه الآية ، إذا عرفت هذا فنقول انصرفت الإباحة إلى وجود الصنمين حال الطواف لا إلى نفس الطواف كما لو كان في الثوب نجاسة يسيرة عندكم ، أو دم البراغيث عندنا ، فقيل: لا جناح عليك أن تصلي فيه ، فإن رفع الجناح ينصرف إلى مكان النجاسة لا إلى نفس الصلاة . الرابع: روي عن عروة أنه قال لعائشة: إني أرى أن لا حرج علي في أن لا أطوف بهما ، فقالت: بئس ما قلت لو كان كذلك لقال: أن لا يطوف بهما ، ثم حكى ما تقدم من الصنمين ، وتفسير عائشة راجح على تفسير التابعين ، فإن قالوا: قرأ ابن مسعود: ( فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ) واللفظ أيضًا محتمل له كقوله: { يُبَيّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ } [ النساء: 176 ] أي أن لا تضلوا ، وكقوله تعالى: { أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة } [ الأعراف: 172 ] معناه: أن لا تقولوا ، قلنا: القراءة الشاذة لا يمكن اعتبارها في القرآن لأن تصحيحها يقدح في كون القرآن متواترًا . الخامس: كما أن قوله: { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ } لا يطلق على الواجب ، فكذلك لا يطلق على المندوب ، ولا شك في أن السعي مندوب ، فقد صارت الآية متروكة العمل بظاهرها .

وأما التمسك بقوله: { فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا } فضعيف ، لأن هذا لا يقتضي أن يكون المراد من هذا التطوع هو الطواف المذكور أولًا ، بل يجوز أن يكون المقصود منه شيئًا آخر قال الله تعالى: { وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } [ البقرة: 184 ] ثم قال: { فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ } [ البقرة: 184 ] فأوجب عليهم الطعام ، ثم ندبهم إلى التطوع بالخير فكان المعنى: فمن تطوع وزاد على طعام مسكين كان خيرًا ، فكذا ههنا يحتمل أن يكون هذا التطوع مصروفًا إلى شيء آخر وهو من وجهين . أحدهما: أنه يزيد في الطواف فيطوف أكثر من الطواف الواجب مثل أن يطوف ثمانية أو أكثر . الثاني: أن يتطوع بعد حج الفرض وعمرته بالحج والعمرة مرة أخرى حتى طاف بالصفا والمروة تطوعًا وأما الحديث الذي تمسكوا به فنقول: ذلك الحديث عام وحديثنا خاص والخاص مقدم على العام ، والله أعلم .

أما قوله تعالى: { وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قراءة حمزة وعاصم والكسائي ( يطوع ) بالياء وجزم العين ، وتقديره: يتطوع ، إلا أن التاء أدغمت في الطاء لتقاربهما ، وهذا أحسن لأن المعنى على الاستقبال والشرط والجزاء الأحسن فيهما الاستقبال ، وإن كان يجوز أن يقال من أتاني أكرمته فيوقع الماضي موقع المستقبل في الجزاء ، إلا أن اللفظ إذا كان يوافق المعنى كان أحسن ، وأما الباقون من القراء فقرؤا ( تطوع ) على وزن تفعل ماضيًا وهذه القراءة تحتمل أمرين . أحدهما: أن يكون موضع ( تطوع ) جزمًا . الثاني: أن لا يجعل ( من ) للجزاء ، ولكن يكون بمنزلة ( الذي ) ويكون مبتدأ والفاء مع ما بعدها في موضع رفع لكونها خبر المبتدأ الموصول والمعنى فيه معنى مبتدأ الخبر ، إلا أن هذه الفاء إذا دخلت في خبر الموصول أو النكرة الموصوفة ، أفادت أن الثاني إنما وجب لوجوب الأول كقوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت