المسألة الثامنة: قوله: { وإلهكم إله واحد } معناه أنه واحد في الإلهية ، لأن ورود لفظ الواحد بعد لفظ الإله يدل على أن تلك الوحدة معتبرة في الإلهية لا في غيرها ، فهو بمنزلة وصف الرجل بأنه سيد واحد ، وبأنه عالم واحد ، ولما قال: { وإلهكم إله واحد } أمكن أن يخطر ببال أحد أن يقول: هب أن إلهنا واحد ، فلعل إله غيرنا مغاير لإلهنا ، فلا جرم أزال هذا الوهم ببيان التوحيد المطلق ، فقال: { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } وذلك لأن قولنا: لا رجل يقتضي نفي هذه الماهية ، ومتى انتفت هذه الماهية انتفى جميع أفرادها ، إذ لو حصل فرد من أفراد تلك الماهية فمتى حصل ذلك الفرد ، فقد حصلت الماهية ، وذلك يناقض ما دل اللفظ عليه من انتفاء الماهية: فثبت أن قولنا: لا رجل يقتضي النفي العام الشامل ، فإذا قيل بعد: إلا زيدًا ، أفاد التوحيد التام المحقق وفي هذه الكلمة أبحاث . أحدها: أن جماعة من النحويين قالوا: الكلام فيه حذف وإضمار والتقدير: لا إله لنا ، أو لا إله في الوجود إلا الله ، واعلم أن هذا الكلام غير مطابق للتوحيد الحق وذلك لأنك لو قلت: التقدير أنه لا إله لنا إلاالله ، لكان هذا توحيدًا لألهنا لا توحيد للإله المطلق ، فحينئذ لا يبقى بين قوله: { وإلهكم إله واحد } وبين قوله: { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } فرق ، فيكون ذلك تكرارًا محضًا ، وأنه غير جائز ، وأما لو قلنا: التقدير لا إله في الوجود ، فذلك الإشكال زائل ، إلا أنه يعود الإشكال من وجه آخر ، وذلك لأنك إذا قلت: لا إله في الوجود لا إله إلا هو؛ كان هذا نفيًا لوجود الإله الثاني ، أما لو لم يضمر هذا الإضمار كان قولك: لا إله إلا الله نفيًا لماهية الإله الثاني ، ومعلوم أن نفي الماهية أقوى في التوحيد الصرف من نفي الوجود ، فكان إجراء الكلام على ظاهره ، والإعراض عن هذا الإضمار أولى ، فإن قيل: نفي الماهية كيف يعقل؟ فإنك إذا قلت السواد ليس بسواد ، كان ذلك حكمًا بأن السواد ليس بسواد ، وهو غير معقول ، أما إذا قلت: السواد ليس بموجود ، فهذا معقول منتظم مستقيم ، قلنا: بنفي الماهية أمر لا بد منه ، فإنك إذا قلت: السواد ليس بموجود ، فقد نفيت الوجود ، والوجود من حيث هو وجود ماهية ، فإذا نفيته فقد نفيت هذه الماهية المسماة بالوجود ، فإذا عقل نفي هذه الماهية من حيث هي هي ، فلم لا يعقل نفي تلك الماهية أيضًا ، فإذا عقل ذلك صح اجراء قولنا: لا إله إلا الله على ظاهره ، من غير حاجة إلى الإضمار ، فإن قلت: إنا إذا قلنا السواد ليس بموجود ، فما نفيت الماهية وما نفيت الوجود ، ولكن نفيت موصوفية الماهية بالوجود ، قلت: فموصوفية الماهية بالوجود ، هل هي أمر منفصل عن الماهية وعن الوجود أم لا ، فإن كانت منفصلة عنهما كان نفيها نفيًا لتلك الماهية ، فالماهية من حيث هي هي أمكن نفيها ، وحينئذ يعود التقريب المذكور ، وإن لم تكن تلك الموصوفية أمرًا منفصلًا عنها استحال توجيه النفي إليها إلا بتوجيه النفي ، إما إلى الماهية وإما إلى الوجود ، وحينئذ يعود التقريب المذكور فثبت أن قولنا ، لا إله إلا هو حق وصدق من غير حاجة إلى الإضمار ألبتة .