فهرس الكتاب

الصفحة 987 من 8321

الفصل الرابع

في كيفية الاستدلال بهذه الأحوال على وجود الصانع

وهي من وجوه . أحدها: النظر إلى مقادير هذه الأفلاك ، فإنها مع اشتراكها في الطبيعة الفلكية ، اختص كل واحد منها بمقدار خاص ، مع أنه لا يمتنع في العقل وقوعها على أزيد من ذلك المقدار أو أنقص منه بذرة ، فلما قضى صريح العقل بأن المقادير بأسرها على السوية ، قضى بافتقارها في مقاديرها إلى مخصص مدبر . وثانيها: النظر إلى أحيازها ، فإن كل فلك مماس بمحدبه فلكًا آخر فوقه وبمقعره فلكًا آخر تحته ، ثم ذلك الفلك إما أن يكون متشابه الأجزاء أو ينتهي بالآخرة إلى جسم متشابه الأجزاء ، وذلك الجسم المتشابه الأجزاء لا بد وأن تكون طبيعة كل واحد من طرفيه مساوية لطبيعة طرفه الآخر ، فكما صح على محدبه أن يلقى جسمًا وجب أن يصح على مقعره أن يلقى ذلك الجسم ، ومتى كان كذلك صح أن العالي يمكن وقوعه سافلًا ، والسافل يمكن وقوعه عاليًا ، ومتى كان كذلك كان اختصاص كل واحد منها بحيزه المعين أمرًا جائزًا يقضي العقل بافتقاره إلى المقتضى . وثالثها: أن كل كوكب حصل في مقعره اختص به أحد جوانب ذلك الفلك دون سائر الجوانب ، ثم إن ذلك الموضع المنتفي من ذلك الفلك مساو لسائر جوانبه ، لأن الفلك عنده جسم متشابه الأجزاء ، فاختصاص ذلك المقعر بذلك الكوكب دون سائر الجوانب يكون أمرًا ممكنًا جائزًا فيقضي العقل بافتقاره إلى المخصص . ورابعها: أن كل كرة فإنها تدور على قطبين معينين ، وإذا كان الفلك متشابه الأجزاء كان جميع النقط المفترضة عليه متساوية ، وجميع الدوائر المفترضة عليه أيضًا متساوية ، فاختصاص نقطتين معينتين بالقطبية دون سائر النقط مع استوائها في الطبيعة يكون أمرًا جائرًا ، فيقضي العقل بافتقاره إلى المقتضى ، وهكذا القول في تعين كل دائرة معينة من دوائرها بأن تكون منطقة . وخامسها: أن الأجرام الفلكية مع تشابهها في الطبيعة الفلكية كل واحد منها مختص بنوع معين من الحركة في البطء والسرعة ، فانظر إلى الفلك الأعظم مع نهاية اتساعه وعظمه ثم إنه يدور دورة تامة في اليوم والليلة ، والفلك الثامن الذي هو أصغر منه لا يدور الدورة التامة إلا في ستة وثلاثين سنة على ما هو قول الجمهور ، ثم إن الفلك السابع الذي تحته يدور في ثلاثين سنة ، فاختصاص الأعظم بمزيد السرعة ، والأصغر بمزيد البطء مع أنه على خلاف حكم العقل فإنه كان ينبغي أن يكون الأوسع أبطأ حركة لعظم مداره ، والأصغر أسرع استدارة لصغر مداره ليس إلا لمخصص ، والعقل يقضي بأن كل واحد منها إنما اختص بما هو عليه بتقدير العزيز العليم . وسادسها: أن الفلك الممثل إذا انفصل عنه الفلك الخارج المركز بقي متممان: أحدهما: من الخارج ، والآخر: من الداخل ، وأنه جرم متشابه الطبيعة ، ثم اختص أحد جوانبهما بغاية الثخن ، والآخر بغاية الرقة بالنسبة ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون نسبة ذلك الثخن والرقة إلى طبيعته على السوية ، فاختصاص أحد جانبيه بالرقة والآخر بالثخن ، لا بد وأن يكون بتخصيص المخصص المختار . وسابعها: أنها مختلفة في جهات الحركات ، فبعضها من المشرق إلى المغرب ، وبعضها من المغرب إلى المشرق ، وبعضها شمالية ، وبعضها جنوبية ، مع أن جميع الجهات بالنسبة إليها على السوية ، فلا بد من الإفتقار إلى المدبر . وثامنها: أنا نراها الآن متحركة ومحال أن يقال إنها كانت أزلًا متحركة ، أو ما كانت متحركة ، ثم ابتدأت بالحركة ، ومحال أن يقال: إنها كانت أزلًا متحركة لأن ماهية الحركة تقتضي المسبوقية بالغير ، لأن الحركة انتقال من حالة إلى حالة والأزل ينافي المسبوقية بالغير ، فالجمع بين الحركة والأزلية محال ، وإن قلنا إنها ما كانت متحركة أزلًا سواء قلنا إنها كانت قبل تلك الحركة موجودة أو كانت ساكنة ، أو قلنا: إنها كانت قبل تلك الحركة معدومة أصلًا ، فالإبتداء بالحركة بعد عدم الحركة يقتضي الإفتقار إلى مدبر قديم سبحانه وتعالى ليحركها بعد أن كانت معدومة ، أو بعد أن كانت ساكنة ، وهذا المأخذ أحسن المآخذ وأقواها . وتاسعها: أن يقال: إن حركاتها إما أن تكون من لوازم جسمانيتها المعينة ، لكنا نرى جسمانياتها المعينة منفكة عن كل واحد من أجزاء تلك الحركة ، فإذن كل واحد من أجزاء حركته ليس من لوازمه ، فافتقرت الأفلاك في حركاتها إلى محرك من خارج ، وذلك هو محرك المتحركات ، ومدبر الثوابت والسيارات ، وهو الحق سبحانه وتعالى . وعاشرها: أن هذا الترتيب العجيب في تركيب هذه الأفلاك وائتلاف حركاتها أترى أنها مبنية على حكمة ، أم هي واقعة بالجزاف والعبث؟ أما القسم الثاني: فباطل وبعيد عن العقل ، فإن جوز في بناء رفيع ، وقصر مشيد أن التراب والماء انضم أحدهما إلى الآخر ، ثم تولد منهما لبنات ، ثم تركبها قصر مشيد وبناء عال ، فإنه يقضي عليه بالجنون ، ونحن نعلم أن تركيب هذه الأفلاك وما فيها من الكواكب ، وما لها من الحركات ليس أقل من ذلك البناء ، فثبت أنه لا بد فيها من رعاية حكمة ، ثم لا يخلو إما أن يقال: إنها أحياء ناطقة فهي تتحرك بأنفسها أو يقال: إنه يحركها مدبر قاهر ، والأول باطل لأن حركتها إما أن تكون لطلب استكمالها أو لا لهذا الغرض ، فإن كانت طالبة بحركتها لتحصيل كمال فهي ناقصة في ذواتها ، طالبة للاستكمال أو لا لهذا الغرض ، والناقص بذاته لا بد له من مكمل ، فهي مفتقرة محتاجة ، وإن لم تكن طالبة بحركتها للاستكمال ، فهي عابثة في أفعالها ، فيعود الأمر إلى أنه يبعد في العقول أن يكون مدار هذه الأجرام المستعظمة ، والحركات الدائمة ، على العبث والسفه ، فلم يبق في العقول قسم هو الأليق بالذهاب إليه إلا أن مدبرًا قاهرًا غالبًا على الدهر والزمان يحركها لأسرار مخفية ، ولحكم لطيفة هو المستأثر بها ، والمطلع عليها ، وليس عندنا إلا الإيمان بها على الإجمال على ما قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت