« أطعمك الله وسقاك فأنت ضيف الله فتم صومك »
والقول الثالث: أنه إذا أخطأ في طلوع الصبح لا يجب القضاء ، وإذا أخطأ في غروب الشمس يجب القضاء ، والفرق أن الأصل في كل ثابت بقاؤه على ما كان ، والثابت في الليل حل الأكل ، وفي النهار حرمته ، أما إذا لم يغلب على ظنه لا بقاء الليل ولا طلوع الصبح ، بل بقي متوقفًا في الأمرين ، فههنا يكره له الأكل والشرب والجماع ، فإن فعل جاز ، لأن الأصل بقاء الليل والله أعلم .
أما قوله تعالى: { ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى اليل } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: أن كلمة { إلى } لانتهاء الغاية ، فظاهر الآية أن الصوم ينتهي عند دخول الليل ، وذلك لأن غاية الشيء مقطعه ومنتهاه ، وإنما يكون مقطعًا ومنتهى إذا لم يبق بعد ذلك ، وقد تجيء هذه الكلمة لا للانتهاء كما قوله تعالى: { إِلَى المرافق } [ المائدة: 6 ] إلا أن ذلك على خلاف الدليل ، والفرق بين الصورتين أن الليل ليس من جنس النهار ، فيكون الليل خارجًا عن حكم النهار ، والمرافق من جنس اليد فيكون داخلًا فيه ، وقال أحمد بن يحيى: سبيل إلى الدخول والخروج ، وكلا الأمرين جائز ، تقول: أكلت السمكة إلى رأسها ، وجائز أن يكون الرأس داخلًا في الأكل وخارجًا منه ، إلا أنه لا يشك ذو عقل أن الليل خارج عن الصوم ، إذ لو كان داخلًا فيه لعظمت المشقة ودخلت المرافق في الغسل أخذًا بالأوثق ، ثم سواء قلنا إنه مجمل أو غير مجمل ، فقد ورد الحديث الصحيح فيه ، وهو ما روى عمر Bه قال: قال رسول الله A: « إذا أقبل الليل من ههنا ، وأدبر النهار من ههنا ، وقد غربت الشمس فقد أفطر الصائم » فهذا الحديث يدل على أن الصوم ينتهي في هذا الوقت . فأما أنه يجب على المكلف أن يتناول عند هذا الوقت شيئًا ، فالدليل عليه ما روى الشافعي رضي الله تعالى عنه بإسناده عن ابن عمر أن النبي A نهى عن الوصال ، قيل: يا رسول الله تواصل ، أي كيف تنهانا عن أمر أنت تفعله؟ فقال: « إني لست مثلكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني » ، وقيل فيه معان أحدها: أنه كان يطعم ويسقى من طعام الجنة والثاني: أنه E قال: « إني على ثقة من أني لو احتجت إلى الطعام أطعمني مواصلًا » ، وحكى محمد بن جرير الطبري عن ابن الزبير ، أنه كان يواصل سبعة أيام ، فلما كبر جعلها خمسًا ، فلما كبر جدًا جعلها ثلاثًا ، فظاهر كلام الشافعي Bه يدل على أن هذا النهي نهي تحريم ، وقيل: هو نهي تنزيه ، لأنه ترك للمباح ، وعلى هذا التأويل صح فعل ابن الزبير ، إذا عرفت هذا فنقول: إذا تناول شيئًا قليلًا ولو قطرة من الماء ، فعلى ذلك هو بالخيار في الإستيفاء إلا أن يخاف المرء من التقصير في صوم المستأنف ، أو في سائر العبادات ، فيلزم حينئذ أن يتناول من الطعام قدرًا يزول به هذا الخوف .