فهرس الكتاب

الصفحة 1162 من 8321

جن لدي باب الحصير قيام ... والحصير معروف سمي به لانضمام بعض أجزائه إلى بعض تشبيهًا باحتباس الشيء مع غيره .

إذا عرفت هذا فنقول: اتفقوا على أن لفظ الحصر مخصوص بمنع العدو إذا منعه عن مراده وضيق عليه ، أما لفظ الإحصار فقد اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال الأول: وهو اختيار أبي عبيدة وابن الكسيت والزجاج وابن قتيبة وأكثر أهل اللغة أنه مختص بالمرض ، قال ابن السكيت: يقال أحصره المرض إذا منعه من السفر وقال ثعلب في فصيح الكلام: أحصر بالمرض وحصر بالعدو .

والقول الثاني: أن لفظ الاحصار يفيد الحبس والمنع ، سواء كان بسبب العدو أو بسبب المرض وهو قول الفراء .

والقول الثالث: أنه مختص بالمنع الحاصل من جهة العدو ، وهو قول الشافعي Bه وهو المروي عن ابن عباس وابن عمر ، فانهما قالا: لا حصر إلا حصر العدو ، وأكثر أهل اللغة يردون هذا القول على الشافعي Bه ، وفائدة هذا البحث تظهر في مسألة فقهية ، وهي أنهم اتفقوا على أن حكم الإحصار عند حبس العدو ثابت ، وهل يثبت بسبب المرض وسائر الموانع؟ قال أبو حنيفة Bه: يثبت . وقال الشافعي: لا يثبت . وحجة أبي حنيفة ظاهرة على مذهب أهل اللغة وذلك لأن أهل اللغة رجلان أحدهما: الذين قالوا: الإحصار مختص بالحبس الحاصل بسبب المرض فقط ، وعلى هذا المذهب تكون هذه الآية نصًا صريحًا في أن إحصار المرض يفيد هذا الحكم والثاني: الذين قالوا الإحصار اسم لمطلق الحبس سواء كان حاصلًا بسبب المرض أو بسبب العدو ، وعلى هذا القول حجة أبي حنيفة تكون ظاهرة أيضًا ، لأن الله تعالى علق الحكم على مسمى الإحصار ، فوجب أن يكون الحكم ثابتًا عند حصول الإحصار سواء حصل بالعدو أو بالمرض وأما على القول الثالث: وهو أن الإحصار اسم للمنع الحاصل بالعدو ، فهذا القول باطل باتفاق أهل اللغة وبتقدير ثبوته فنحن نقيس المرض على العدو بجامع دفع الحرج وهذا قياس جلي ظاهر فهذا تقرير قول أبي حنيفة Bه وهو ظاهر قوي ، وأما تقرير مذهب الشافعي Bه ، فهو أنا ندعي أن المراد بالإحصار في هذه الآية منع العدو فقط ، والروايات المنقولة عن أهل اللغة معارضة بالروايات المنقولة عن ابن عباس وابن عمر ، ولا شك أن قولهما أولى لتقدمهما على هؤلاء الأدنى في معرفة اللغة وفي معرفة تفسير القرآن ، ثم إنا بعد ذلك نؤكد هذا القول بوجوه من الدلائل .

الحجة الأولى: أن الإحصار إفعال من الحصر والافعال تارة يجيء بمعنى التعدية نحو: ذهب زيد وأذهبته أنا ، ويجيء بمعنى صار ذا كذا نحو: أغد البعير إذا صار ذا غدة ، وأجرب الرجل إذا صار ذا أبل جربى ويجيء بمعنى وجدته بصفة كذا نحو: أحمدت الرجل أي وجدته محمودًا والإحصار لا يمكن أن يكون للتعدية ، فوجب إما حمله على الصيرورة أو على الوجدان والمعنى: أنهم صاروا محصورين أو وجدوا محصورين ، ثم إن أهل اللغة أتفقوا على أن المحصور هو الممنوع بالعدو لا بالمرض ، فوجب أن يكون معنى الاحصار هو أنهم صاروا ممنوعين بالعدو ، أو وجدوا ممنوعين بالعدو ، وذلك يؤكد مذهبنا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت