الحجة الثانية: أن الحصر عبارة عن المنع وإنما يقال للإنسان إنه ممنوع من فعله ومحبوس عن مراده ، إذا كان قادرًا عن ذلك الفعل متمكنًا منه ، ثم إنه منعه مانع عنه ، والقدرة عبارة عن الكيفية الحاصلة بسبب اعتدال المزاج وسلامة الأعضاء ، وذلك مفقود في حق المريض فهو غير قادر ألبتة على الفعل ، فيستحيل الحكم عليه بأنه ممنوع ، لأن إحالة الحكم على المانع تستدعي حصول المقتضى ، أما إذا كان ممنوعًا بالعدو فههنا القدرة على الفعل حاصلة ، إلا أنه تعذر الفعل لأجل مدافعة العدو ، فصح ههنا أن يقال إنه ممنوع من الفعل ، فثبت أن لفظة الاحصار حقيقة في العدو ، ولا يمكن أن تكون حقيقة في المرض .
الحجة الثالثة: أن معنى قوله: { أُحْصِرْتُمْ } أي حبستم ومنعتم والحبس لا بد له من حابس ، والمنع لا بد له من مانع ، ويمتنع وصف المرض بكونه حابسًا ومانعًا ، لأن الحبس والمنع فعل ، وإضافة الفعل إلى المرض محال عقلًا ، لأن المرض عرض لا يبقى زمانين ، فكيف يكون فاعلا وحابسا ومانعا ، أما وصف العدو بأنه حابس ومانع ، فوصف حقيقي ، وحمل الكلام على حقيقته أولى من حمله على مجازه .
الحجة الرابعة: أن الإحصار مشتق من الحصر ولفظ الحصر لا إشعار فيه بالمرض ، فلفظ الإحصار وجب أن يكون خاليًا عن الاشعار بالمرض قياسًا على جميع الألفاظ المشتقة .
الحجة الخامسة: أنه تعالى قال بعد هذه الآية: { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مّن رَّأْسِهِ } فعطف عليه المريض ، فلو كان المحصر هو المريض أو من يكون المرض داخلًا فيه ، لكان هذا عطفًا للشيء على نفسه .
فإن قيل: إنه خص هذا المرض بالذكر لأن له حكمًا خاصًا ، وهو حلق الرأس ، فصار تقدير الآية إن منعتم بمرض تحللتم بدم ، وإن تأذى رأسكم بمرض حلقتم وكفرتم .
قلنا: هذا وإن كان حسنًا لهذا الغرض ، إلا أنه مع ذلك يلزم عطف الشيء على نفسه ، أما إذا لم يكن المحصر مفسرًا بالمريض ، لم يلزم عطف الشيء على نفسه ، فكان حمل المحصر على غير المريض يوجب خلو الكلام عن هذا الاستدلال ، فكان ذلك أولى .
الحجة السادسة: قال تعالى في آخر الآية: { فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بالعمرة إِلَى الحج } ولفظ الأمن إنما يستعمل في الخوف من العدو لا في المرض ، فإنه يقال في المرض: شفي وعفي ولا يقال أمن .