فإن قيل: لا نسلم أن لفظ الأمن لا يستعمل إلا في الخوف ، فإنه يقال: أمن المريض من الهلاك وأيضًا خصوص آخر الآية لا يقدح في عموم أولها .
قلنا: لفظ الأمن إذا كان مطلقًا غير مقيد فإنه لا يفيد إلا الأمن من العدو ، وقوله خصوص آخر الآية لا يمنع من عموم أولها .
قلنا: بل يوجب لأن قوله: { فَإِذَا أَمِنتُمْ } ليس فيه بيان أنه حصل الأمن مماذا ، فلا بد وأن يكون المراد حصول الأمن من شيء تقدم ذكره ، والذي تقدم ذكره هو الاحصار ، فصار التقدير: فإذا أمنتم من ذلك الاحصار ، ولما ثبت أن لفظ الأمن لا يطلق إلا في حق العدو ، وجب أن يكون المراد من هذا الاحصار منع العدو ، فثبت بهذه الدلائل أن الإحصار المذكور في الآية هو منع العدو فقط ، أما قول من قال: إنه منع المرض صاحبه خاصة فهو باطل بهذه الدلائل ، وفيه دليل آخر ، وهو أن المفسرين أجمعوا على أن سبب نزول هذه الآية أن الكفار أحصروا النبي A بالحديبية ، والناس وإن اختلفوا في أن الآية النازلة في سبب هل تتناول غير ذلك السبب؟ إلا أنهم اتفقوا على أنه لا يجوز أن يكون ذلك السبب خارجًا عنه ، فلو كان الإحصار اسمًا لمنع المرض ، لكان سبب نزول الآية خارجًا عنها ، وذلك باطل بالإجماع ، فثبت بما ذكرنا أن الإحصار في هذه الآية عبارة عن منع العدو ، وإذا ثبت هذا فنقول: لا يمكن قياس منع المرض عليه ، وبيانه من وجهين: الأول: أن كلمة: إن ، شرط عند أهل اللغة ، وحكم الشرط انتفاء المشروط عن انتفائه ظاهرًا ، فهذا يقتضي أن لا يثبت الحكم إلا في الإحصار الذي دلت الآية عليه ، فلو أثبتا هذا الحكم في غيره قياسًا كان ذلك نسخا للنص بالقياس ، وهو غير جائز .
الوجه الثاني: أن الإحرام شرع لازم لا يحتمل النسخ قصدا ، ألا ترى أنه إذا جامع امرأته حتى فسد حجه لم يخرج من إحرامه ، وكذلك لو فاته الحج حتى لزمه القضاء والمرض ليس كالعدو ، ولأن المريض لا يستفيد بتحلله ورجوعه أمنا من مرضه ، أما المحصر بالعدو فإنه خائف من القتل إن أقام ، فإذا رجع فقد تخلص من خوف القتل ، فهذا ما عندي في هذه المسألة على ما يليق بالتفسير .
أما قوله: { فَمَا استيسر مِنَ الهدى } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: قال القفال C: في الآية إضمار ، والتقدير: فحللتم فما استيسر ، وهو كقوله: { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } [ البقرة: 184 ] أي فأفطر فعدة ، وفيها إضمار آخر ، وذلك لأن قوله: { فَمَا استيسر مِنَ الهدى } كلام غير تام لا بد فيه من إضمار ، ثم فيه احتمالان: أحدهما: أن يقال: محل ، ما: رفع ، والتقدير: فواجب عليكم ما استيسر والثاني: قال الفراء: لو نصبت على معنى: اهدوا ما تيسر كان صوابًا ، وأكثر ما جاء في القرآن من أشباهه مرفوع .