فهرس الكتاب

الصفحة 1174 من 8321

النوع الثامن: أن قوله: { فَصِيَامُ ثلاثة أَيَّامٍ فِي الحج وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ } يحتمل أن يكون المراد منه أن يكون الواجب بعد الرجوع أن يكمل سبعة أيام ، على أنه يحسب من هذه السبعة تلك الثلاثة المتقدمة ، حتى يكون الباقي عليه بعد من الحج أربعة سوى تلك الثلاثة المتقدمة ، ويحتمل أن يكون المراد منه أن يكون الواجب بعد الرجوع سبعة سوى تلك الثلاثة المتقدمة ، فهذا الكلام محتمل لهذين الوجهين ، فإذا قال بعده تلك عشة كاملة زال هذا الإشكال ، وبين أن الواجب بعد الرجوع سبعة سوى الثلاثة المتقدمة .

النوع التاسع: أن اللفظ وإن كان خبرًا لكن المعنى أمر والتقدير: فلتكن تلك الصيامات صيامات كاملة لأن الحج المأمور به حج تام على ما قال: { وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة لِلَّهِ } وهذه الصيامات جبرانات للخلل الواقع في ذلك الحج ، فلتكن هذه الصيامات صيامات كاملة حتى يكون جابرًا للخلل الواقع في ذلك الحج ، الذي يجب أن يكون تامًا كاملًا ، والمراد بكون هذه الصيامات كاملة ما ذكرنا في بيان كون الحج تامًا ، وإنما عدل عن لفظ الأمر إلى لفظ الخبر لأن التكليف بالشيء إذا كان متأكدًا جدًا فالظاهر دخول المكلف به في الوجود ، فلهذا السبب جاز أن يجعل الإخبار عن الشيء بالوقوع كناية عن تأكد الأمر به ، ومبالغة الشرع في إيجابه .

النوع العاشر: أنه سبحانه وتعالى لما أمر بصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة بعد الرجوع من الحج ، فليس في هذا القدر بيان أنه طاعة عظيمة كاملة عند الله سبحانه وتعالى ، فلما قال بعده: { تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ } دل ذلك على أن هذه الطاعة في غاية الكمال ، وذلك لأن الصوم مضاف إلى الله تعالى بلام الإختصاص على ما قال تعالى: { الصوم لي } والحج أيضًا مضاف إلى الله تعالى بلام الإختصاص ، على ما قال: { وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة لِلَّهِ } وكما دل النص على مزيد اختصاص لهاتين العبادتين بالله سبحانه وتعالى ، فالعقل دل أيضًا على ذلك ، أما في حق الصوم فلأنه عبادة لا يطلع العقل ألبتة على وجه الحكمة فيها ، وهو مع ذلك شاق على النفس جدًا ، فلا جرم لا يؤتى به إلا لمحض مرضاة الله تعالى ، والحج أيضًا عبادة لا يطلع العقل ألبتة على وجه الحكمة فيها ، وهو مع ذلك شاق جدًا لأنه يوجب مفارقة الأهل والوطن ، ويوجب التباعد عن أكثر اللذات ، فلا جرم لا يؤتى به إلا لمحض مرضاته ، ثم إن هذه الأيام العشرة بعضه واقع في زمان الحج فيكون جمعًا بين شيئين شاقين جدًا ، وبعضه واقع بعد الفراغ من الحج وهو انتقال من شاق إلى شاق ، ومعلوم أن ذلك سبب لكثرة الثواب وعلو الدرجة فلا جرم أوجب الله تعالى صيام هذه الأيام العشرة ، وشهد سبحانه على أنه عبادة في غاية الكمال والعلو ، فقال: { تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ } فإن التنكير في هذا الموضع يدل على تعظيم الحال ، فكأنه قال: عشرة وأية عشرة ، عشرة كاملة ، فقد ظهر بهذه الوجوه العشرة اشتمال هذه الكلمة على هذه الفوائد النفيسة ، وسقط بهذا البيان طعن الملحدين في هذه الآية والحمد لله رب العالمين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت