فهرس الكتاب

الصفحة 1196 من 8321

[ الحج: 37 ] وثالثها: أن قوله أولًا: { فاذكروا الله عِندَ المشعر الحرام } أمر بالذكر باللسان وقوله ثانيًا: { واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ } أمر بالذكر بالقلب ، وتقريره أن الذكر في كلام العرب ضربان أحدهما: ذكر هو ضد النسيان والثاني: الذكر بالقول ، فما هو خلاف النسيان قوله: { وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشيطان أَنْ أَذْكُرَهُ } [ الكهف: 63 ] وأما الذكر الذي هو القول فهو كقوله: { فاذكروا الله كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا } [ البقرة: 200 ] { واذكروا الله فِى أَيَّامٍ معدودات } [ البقرة: 203 ] فثبت أن الذكر وارد بالمعنيين فالأول: محمول على الذكر باللسان والثاني: على الذكر بالقلب ، فإن بهما يحصل تمام العبودية ورابعها: قال ابن الأنباري: معنى قوله: { واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ } يعني اذكروه بتوحيده كما ذكركم بهدايته وخامسها: يحتمل أن يكون المراد من الذكر مواصلة الذكر ، كأنه قيل لهم: اذكروا الله واذكروه أي اذكروه ذكرًا بعد ذكر ، كما هداكم هداية بعد هداية ، ويرجع حاصله إلى قوله: { ياأيها الذين ءامَنُواْ اذكروا الله ذِكْرًا كَثِيرًا } [ الأحزاب: 41 ] وسادسها: أنه تعالى أمر بالذكر عند المشعر الحرام ، وذلك إشارة إلى القيام بوظائف الشريعة ، ثم قال بعده: { واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ } والمعنى أن توقيف الذكر على المشعر الحرام فيه إقامة لوظائف الشريعة ، فإذا عرفت هذا قربت إلى مراتب الحقيقة ، وهو أن ينقطع قلبك عن المشعر الحرام ، بل عن من سواه فيصير مستغرقًا في نور جلاله وصمديته ، ويذكره لأنه هو الذي يستحق لهذا الذكر ولأن هذا الذكر يعطيك نسبة شريفة إليه بكونك في هذه الحالة تكون في مقام العروج ذاكرًا له ومشتغلًا بالثناء عليه ، وإنما بدأ بالأول وثنى بالثاني لأن العبد في هذه الحالة يكون في مقام العروج فيصعد من الأدنى إلى الأعلى وهذا مقام شريف لا يشرحه المقال ولا يعبر عنه الخيال ، ومن أراد أن يصل إليه ، فليكن من الواصلين إلى العين ، دون السامعين للأثر ورابعها: أن يكون المراد بالأول هو ذكر أسماء الله تعالى وصفاته الحسنى ، والمراد بالذكر الثاني: الاشتغال بشكر نعمائه ، والشكر مشتمل أيضًا على الذكر ، فصح أن يسمى الشكر ذكرًا ، والدليل على أن الذكر الثاني هو الشكر أنه علقه بالهداية ، فقال: { كَمَا هَدَاكُمْ } والذكر المرتب على النعمة ليس إلا الشكر وثامنها: أنه تعالى لما قال { فاذكروا الله عِندَ المشعر الحرام } جاز أن يظن أن الذكر مختص بهذه البقعة وبهذه العبادة ، يعني الحج فأزال الله تعالى هذه الشبهة فقال { واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ } يعني اذكروه على كل حال ، وفي كل مكان ، لأن هذا الذكر إنما وجب شكرًا على هدايته ، فلما كانت نعمة الهداية متواصلة غير منقطعة ، فكذلك الشكر يجب أن يكون مستمرًا غير منقطع وتاسعها: أن قوله: { فاذكروا الله عِندَ المشعر الحرام } المراد منه الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء هناك ، ثم قوله: { واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ } والمراد منه التهليل والتسبيح .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت