[ الصف: 2 ] وهذا وجه ظاهر ، إلا أنهم اختلفوا في الجر في قوله: { والمسجد الحرام } وذكروا فيه وجهين أحدهما: أنه عطف على الهاء في به والثاني: وهو قول الأكثرين: أنه عطف على { سَبِيلِ الله } قالوا: وهو متأكد بقوله تعالى: { إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله والمسجد الحرام } [ الحج: 25 ] .
واعترضوا على الوجه الأول بأنه لا يجوز العطف على الضمير ، فإنه لا يقال: مررت به وعمرو ، وعلى الثاني بأن على هذا الوجه يكون تقدير الآية: صد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام ، فقوله: عن المسجد الحرام صلة للصد ، والصلة والموصول في حكم الشيء الواحد ، فإيقاع الأجنبي بينهما لا يكون جائزًا .
أجيب عن الأول: لم لا يجوز إضمار حرف الجر فيه حتى يكون التقدير: وكفر به وبالمسجد الحرام ، والإضمار في كلام الله ليس بغريب ، ثم يتأكد هذا بقراءة حمزة { تَسَاءلُونَ بِهِ والأرحام } [ النساء: 1 ] على سبيل الخفض ولو أن حمزة روى هذه اللغة لكان مقبولًا بالاتفاق ، فإذا قرأ به في كتاب الله تعالى كان أولى أن يكون مقبولًا ، وأما الأكثرون الذين اختاروا القول الثاني قالوا: لا شك أنه يقتضي وقوع الأجنبي بين الصلة والموصول ، والأصل أنه لا يجوز إلا أنا تحملناه ههنا لوجهين الأول: أن الصد عن سبيل الله والكفر به كالشيء الواحد في المعنى ، فكأنه لا فصل الثاني: أن موضع قوله: { وَكُفْرٌ بِهِ } عقيب قوله: { والمسجد الحرام } إلا أنه قدم عليه لفرط العناية ، كقوله تعالى: { وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوًا أَحَدًا } [ الإخلاص: 4 ] كان من حق الكلام أن يقال: ولم يكن له أحد كفوًا إلا أن فرط العناية أوجب تقديمه فكذا ههنا .
الوجه الثاني: في هذه الآية ، وهو اختيار الفراء وأبي مسلم الأصفهاني أن قوله تعالى: { والمسجد الحرام } عطف بالواو على الشهر الحرام ، والتقدير: يسألونك عن قتال في الشهر الحرام والمسجد الحرام ، ثم بعد هذا طريقان أحدهما: أن قوله: { قِتَالٌ فِيهِ } مبتدأ ، وقوله: { كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ الله وَكُفْرٌ بِهِ } خبر بعد خبر ، والتقدير: إن قتلًا فيه محكوم عليه بأنه كبير وبأنه صد عن سبيل الله ، وبأنه كفر بالله .
والطريق الثاني: أن يكون قوله: { قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ } جملة مبتدأ وخبر ، وأما قوله: { وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ الله } فهو مرفوع بالابتداء ، وكذا قوله: { وَكُفْرٌ بِهِ } والخبر محذوف لدلالة ما تقدم عليه ، والتقدير: قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله كبير وكفر به كبير ، ونظيره قولك: زيد منطلق وعمرو ، تقديره: وعمرو منطلق ، طعن البصريون في هذا الجواب فقالوا: أما قولكم تقدير الآية: يسألونك عن قتال في المسجد الحرام فهو ضعيف لأن السؤال كان واقعًا عن القتال في الشهر الحرام لا عن القتال في المسجد الحرام ، وطعنوا في الوجه الأول بأنه يقتضي أن يكون القتال في الشهر الحرام كفرًا بالله ، وهو خطأ بالإجماع ، وطعنوا في الوجه الثاني بأنه لما قال بعد ذلك: { وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ } أي أكبر من كل ما تقدم فيلزم أن يكون إخراج أهل المسجد من المسجد أكبر عند الله من الكفر ، وهو خطأ بالإجماع .