فهرس الكتاب

الصفحة 1276 من 8321

والوجه الآخر: أن يكون معناه أنه كالخمر في الحرمة ، وذلك لأن قوله هذا خمر فحقيقة هذا اللفظ يفيد كونه في نفسه خمرًا فإن قام دليل على أن ذلك ممتنع وجب حمله مجازًا على المشابهة في الحكم ، الذي هو خاصية ذلك الشيء .

الحجة الرابعة: روى أبو داود عن عائشة Bها أنها قالت: سئل رسول الله A عن البتع ، فقال:"كل شراب أسكر فهو حرام"قال الخطابي: البتع شراب يتخذ من العسل ، وفيه إبطال كل تأويل يذكره أصحاب تحليل الأنبذة ، وإفساد لقول من قال: إن القليل من المسكر مباح ، لأنه عليه السلام سئل عن نوع واحد من الأنبذة فأجاب عنه بتحريم الجنس ، فيدخل فيه القليل والكثير منها ، ولو كان هناك تفصيل في شيء من أنواعه ومقاديره لذكره ولم يهمله .

الحجة الخامسة: روى أبو داود عن جابر بن عبد الله ، قال: قال رسول الله A:"ما أسكر كثيره فقليله حرام"

الحجة السادسة: روي أيضًا عن القاسم عن عائشة ، قالت: سمعت رسول الله A يقول:"كل مسكر حرام وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام"قال الخطابي: «الفرق» مكيال يسع ستة عشر رطلًا ، وفيه أبين البيان أن الحرمة شاملة لجميع أجزاء الشراب .

الحجة السابعة: روى أبو داود عن شهر بن حوشب ، عن أم سلمة ، قالت: نهى رسول الله A عن كل مسكر ومفتر ، قال الخطابي: المفتر كل شراب يورث الفتور والخدر في الأعضاء ، وهذا لا شك أنه متناول لجميع أنواع الأشربة ، فهذه الأحاديث كلها دالة على أن كل مسكر فهو خمر ، وهو حرام .

النوع الثاني: من الدلائل على أن كل مسكر خمر التمسك بالاشتقاقات ، قال أهل اللغة: أصل هذا الحرف التغطية ، سمي الخمار خمارًا لأنه يغطي رأس المرأة ، والخمر ما واراك من شجر وغيره ، من وهدة وأكمة ، وخمرت رأس الإناء أي غطيته ، والخامر هو الذي يكتم شهادته ، قال ابن الأنباري: سميت خمرًا لأنها تخامر العقل ، أي تخالطه ، يقال: خامره الداء إذا خالطه ، وأنشد لكثير:

هنيئًا مريئًا غير داء مخامر ... ويقال خامر السقام كبده ، وهذا الذي ذكره راجع إلى الأول ، لأن الشيء إذا خالط الشيء صار بمنزلة الساتر له ، فهذه الاشتقاقات دالة على أن الخمر ما يكون ساترًا للعقل ، كما سميت مسكرًا لأنها تسكر العقل أي تحجزه ، وكأنها سميت بالمصدر من خمره خمرًا إذا ستره للمبالغة ، ويرجع حاصله إلى أن الخمر هو السكر ، لأن السكر يغطي العقل ، ويمنع من وصول نوره إلى الأعضاء ، فهذه الاشتقاقات من أقوى الدلائل على أن مسمى الخمر هو المسكر ، فكيف إذا انضافت الأحاديث الكثيرة إليه لا يقال هذا إثبات للغة بالقياس ، وهو غير جائز ، لأنا نقول: ليس هذا إثباتًا للغة بالقياس ، بل هو تعيين المسمى بواسطة هذه الاشتقاقات ، كما أن أصحاب أبي حنيفة رحمهم الله يقولون إن مسمى النكاح هو الوطء ويثبتونه بالاشتقاقات ، ومسمى الصوم هو الإمساك ، ويثبتونه بالاشتقاقات .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت