{ خُذِ العفو } [ الأعراف: 199 ] أي ما سهل لك من الناس ، ويقال للأرض السهلة: العفو وإذا كان العفو هو التيسير فالغالب أن ذلك إنما يكون فيما يفضل عن حاجة الإنسان في نفسه وعياله ومن تلزمه مؤنتهم فقول من قال: العفو هو الزيادة راجع إلى التفسير الذي ذكرناه وجملة التأويل أن الله تعالى أدب الناس في الإنفاق فقال تعالى لنبيه E: { وَءاتِ ذَا القربى حَقَّهُ والمسكين وابن السبيل وَلاَ تُبَذّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ المبذرين كَانُواْ إخوان الشياطين } [ الإسراء: 26 ، 27 ] وقال: { وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط } [ الإسراء: 29 ] وقال: { والذين إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ } [ الفرقان: 67 ] وقال A: « إذا كان عند أحدكم شيء فليبدأ بنفسه ، ثم بمن يعول وهكذا وهكذا » وقال E: « خير الصدقة ما أبقت غنى ولا يلام على كفاف » وعن جابر بن عبد الله قال بينما نحن عند رسول الله A ، إذ جاءه رجل بمثل البيضة من ذهب فقال: يا رسول الله خذها صدقة فوالله لا أملك غيرها ، فأعرض عنه رسول الله A ، ثم أتاه من بين يديه ، فقال: هاتها مغضبًا فأخذها منه ، ثم حذفه بها حيث لو أصابته لأوجعته ، ثم قال: « يأتيني أحدكم بماله لا يملك غيره ، ثم يجلس يتكفف الناس إنما الصدقة عن ظهر غنى خذها فلا حاجة لنا فيها » ، وعن النبي A أنه كان يحبس لأهله قوت سنة ، وقال الحكماء: الفضيلة بين طرفي الإفراط والتفريط ، فالإنفاق الكثير هو التبذير ، والتقليل جدًا هو التقتير ، والعدل هو الفضيلة وهو المراد من قوله: { قُلِ العفو } ومدار شرع محمد A على رعاية هذه الدقيقة فشرع اليهود مبناه على الخشونة التامة ، وشرع النصارى على المسامحة التامة ، وشرع محمد A متوسط في كل هذه الأمور ، فلذلك كان أكمل من الكل .
المسألة الثانية: قرأ أبو عمرو ( العفو ) بضم الواو والباقون بالنصب ، فمن رفع جعل ( ذَا ) بمعنى ( الذى ) وينفقون صلته كأنه قال: ما الذي ينفقون؟ فقال: هو العفو ومن نصب كان التقدير: ما ينفقون وجوابه: ينفقون العفو .
المسألة الثالثة: اختلفوا في أن المراد بهذا الإنفاق هو الإنفاق الواجب أو التطوع ، أما القائلون بأنه هو الإنفاق الواجب ، فلهم قولان الأول: قول أبي مسلم يجوز أن يكون العفو هو الزكاة فجاء ذكرها ههنا على سبيل الإجمال ، وأما تفاصيلها فمذكورة في السنة الثاني: أن هذا كان قبل نزول آية الصدقات فالناس كانوا مأمورين بأن يأخذوا من مكاسبهم ما يكفيهم في عامهم ، ثم ينفقوا الباقي ، ثم صار هذا منسوخًا بآية الزكاة فعلى هذا التقدير تكون الآية منسوخة .