فهرس الكتاب

الصفحة 1298 من 8321

المسألة الرابعة: اعلم أن دم الحيض موصوف بصفات حقيقية ويتفرع عليه أحكام شرعية ، أما الصفات الحقيقية فأمران أحدهما: المنبع ودم الحيض دم يخرج من الرحم ، قال تعالى: { وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فِى أَرْحَامِهِنَّ } [ البقرة: 228 ] قيل في تفسيره: المراد منه الحيض والحمل ، وأما دم الاستحاضة ، فإنه لا يخرج من الرحم ، لكن من عروق تنقطع في فم الرحم ، قال عليه والسلام في صفة دم الاستحاضة: « إنه دم عرق انفجر » وهذا الكلام يؤيد ما ذكرنا في دفع للنقض عن تعليل القرآن .

والنوع الثاني: من صفات دم الحيض: الصفات التي وصف رسول الله A دم الحيض بها أحدها: أنه أسود والثاني: أنه ثخين ، والثالث: أنه محتدم وهو المحترق من شدة حرارته ، الرابعة: أنه يخرج برفق ولا يسيل سيلانًا ، والخامسة: أن له رائحة كريهة بخلاف سائر الدماء وذلك لأنه من الفضلات التي تدفعها الطبيعة السادسة: أنه بحراني ، وهو شديد الحمرة وقيل: ما تحصل فيه كدورة تشبيهًا له بماء البحر ، فهذه الصفات هي الصفات الحقيقية .

ثم من الناس من قال: دم الحيض يتميز عن دم الاستحاضة فكل دم كان موصوفًا بهذه الصفات فهو دم الحيض ، وما لا يكون كذلك لا يكون دم حيض ، وما اشتبه الأمر فيه فالأصل بقاء التكاليف وزوالها إنما يكون لعارض الحيض ، فإذا كان غير معلوم الوجود بقيت التكاليف التي كانت واجبة على ما كان ، ومن الناس من قال: هذه الصفات قد تشتبه على المكلف ، فإيجاب التأمل في تلك الدماء وفي تلك الصفات يقتضي عسرًا ومشقة ، فالشارع قدر وقتًا مضبوطًا متى حصلت الدماء فيه كان حكمها حكم الحيض كيف كانت تلك الدماء ، ومتى حصلت خارج ذلك الوقت لم يكن حكمها حكم الحيض كيف كانت صفة تلك الدماء ، والمقصود من هذا إسقاط العسر والمشقة عن المكلف ، ثم إن الأحكام الشرعية للحيض هي المنع من الصلاة والصوم واجتناب دخول المسجد ومس المصحف وقراءة القرآن ، وتصير المرأة به بالغة ، والحكم الثابت للحيض بنص القرآن إنما هو حظر الجماع على ما بينا كيفية دلالة الآية عليه .

المسألة الخامسة: اختلف الناس في مدة الحيض فقال الشافعي C تعالى: أقلها يوم وليلة ، وأكثرها خمسة عشر يومًا ، وهذا قول علي بن أبي طالب وعطاء بن أبي رباح والأوزاعي وأحمد وإسحق Bهم ، وقال أبو حنيفة والثوري: أقله ثلاثة أيام ولياليهن فإن نقص عنه فهو دم فاسد ، وأكثره عشرة أيام ، قال أبو بكر الرازي في أحكام القرآن: وقد كان أبو حنيفة يقول بقول عطاء: إن أقل الحيض يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يومًا ، ثم تركه وقال مالك لا تقدير لذلك في القلة والكثرة ، فإن وجد ساعة فهو حيض ، وإن وجد أيامًا فكذلك ، واحتج أبو بكر الرازي في أحكام القرآن على فساد قول مالك فقال: لو كان المقدار ساقطًا في القليل والكثير لوجب أن يكون الحيض هو الدم الموجود من المرأة فكان يلزم أن لا يوجد في الدنيا مستحاضة ، لأن كل ذلك الدم يكون حيضًا على هذا المذهب وذلك باطل بإجماع الأمة ، ولأنه روي أن فاطمة بنت أبي حبيش قالت للنبي A إني أستحاض فلا أطهر ، وأيضًا روي أن حمنة استحيضت سبع سنين ولم يقل النبي A لهما إن جميع ذلك حيض ، بل أخبرهما أن منه ما هو حيض ومنه ما هو استحاضة ، فبطل هذا القول والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت