المسألة الثالثة: اختلفوا في مقدار مدة الإيلاء على أقوال فالأول: قول ابن عباس أنه لا يكون موليًا حتى يحلف على أن لا يطأها أبدًا والثاني: قول الحسن البصري وإسحق: إن أي مدة حلف عليها كان موليًا وإن كانت يومًا ، وهذان المذهبان في غاية التباعد والثالث: قول أبي حنيفة والثوري أنه لا يكون موليًا حتى يحلف على أنه لا يطأها أربعة أشهر أو فيما زاد والرابع: قول الشافعي وأحمد ومالك Bهم: إنه لا يكون مواليًا حتى تزيد المدة على أربعة أشهر وفائدة الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي Bهما أنه إذا آلى منها أكثر من أربعة أشهر أجل أربعة ، وهذه المدة تكون حقًا للزوج ، فإذا مضت تطالب المرأة الزوج بالفيئة أو بالطلاق ، فإن امتنع الزوج منهما طلقها الحاكم عليه ، وعن أبي حنيفة: إذا مضت أربعة أشهر يقع الطلاق بنفسه ، حجة الشافعي من وجوه:
الحجة الأولى: أن الفاء في قوله: { فَإن فَآءوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ، وَإِنْ عَزَمُواْ الطلاق فَإِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ } تقتضي كون هذين الحكمين مشروعين متراخيًا عن انقضاء الأربعة أشهر .
فإن قيل: ما ذكرتموه ممنوع لأن قوله: { فَإن فاؤا . . . وَإِنْ عَزَمُواْ الطلاق } تفصيل لقوله: { للَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَائِهِمْ } والتفصيل يعقب المفصل ، كما تقول: أنا أنزل عندكم هذا الشهر فإن أكرمتموني بقيت معكم وإلا ترحلت عنكم .
قلنا: هذا ضعيف لأن قوله: { لّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ } هذه المدة يدل على الأمرين والفاء في قوله: { فَان فاءوا } ورد عقيب ذكرهما ، فيكون هذا الحكم مشروعًا عقيب الإيلاء ، وعقيب حصول التربص في هذه المدة بخلاف المثال الذي ذكره وهو قوله: أنا أنزل عندكم فإن أكرمتموني بقيت وإلا ترحلت ، لأن هناك الفاء متأخرة عن ذلك النزول ، أما ههنا فالفاء مذكورة عقيب ذكر الإيلاء وذكر التربص ، فلا بد وأن يكون ما دخل الفاء عليه واقعًا عقيب هذين الأمرين ، وهذا كلام ظاهر .