{ مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ } [ التوبة: 91 ] وهذا يدل على عدم الوجوب ، والجواب عنه أن الآية التي ذكرتموها تدل على قولنا لأنه تعالى قال: { حَقًّا عَلَى المحسنين } فذكره بكلمة { على } وهي للوجوب ، ولأنه إذا قيل: هذا حق على فلان ، لم يفهم منه الندب بل الوجوب .
المسألة الثالثة: أصل المتعة والمتاع ما ينتفع به انتفاعًا غير باق بل منقضيًا عن قريب ، ولهذا يقال: الدنيا متاع ، ويسمى التلذذ تمتعًا لانقطاعه بسرعة وقلة لبث .
أما قوله تعالى: { عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدْرُهُ } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: { الموسع } الغني الذي يكون في سعة من غناه ، يقال: أوسع الرجل إذا كثر ماله ، واتسعت حاله ، ويقال: أوسعه كذا أي وسعه عليه ، ومنه قوله تعالى: { وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } [ الذاريات: 47 ] وقوله: { قَدْرِهِ } أي قدر إمكانه وطاقته ، فحذف المضاف ، والمقتر الذي في ضيق من فقره وهو المقل الفقير ، وأقتر إذا افتقر .
المسألة الثانية: قرأ ابن كثير ونافع وأبو بكر عن عاصم { قَدْرِهِ } بسكون الدال ، والباقون قدره بفتح الدال ، وهما لغتان في جميع معاني القدر ، يقال: قدر القوم أمرهم يقدرونه قدرًا ، وهذا قدر هذا ، واحمل على رأسك قدر ما تطيق ، وقدر الله الرزق يقدره ويقدره قدرًا ، وقدرت الشيء بالشيء أقدره قدرًا ، وقدرت على الأمر أقدر عليه قدرة ، كل هذا يجوز فيه التحريك والتسكين ، يقال: هم يختصمون في القدر والقدر ، وخدمته بقدر كذا وبقدر كذا ، قال الله تعالى: { فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا } [ الرعد: 17 ] وقال: { وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ } [ الأنعام: 91 ] ولو حرك لكان جائزًا ، وكذلك: { إِنَّا كُلَّ شَىْء خلقناه بِقَدَرٍ } [ القمر: 49 ] ولو خفف جاز .
المسألة الثالثة: أن قوله تعالى: { عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدْرُهُ } يدل على أن تقدير المتعة مفوض إلى الاجتهاد ، ولأنها كالنفقة التي أوجبها الله تعالى للزوجات ، وبين أن الموسع يخالف المقتر وقال الشافعي: المستحب على الموسع خادم ، وعلى المتوسط ثلاثون درهمًا ، وعلى المقتر مقنعة ، روي عن ابن عباس Bهما أنه قال: أكثر المتعة خادم وأقلها مقنعة ، وأي قدر أدى جاز في جانبي الكثرة والقلة ، وقال أبو حنيفة المتعة لا تزاد على نصف مهر المثل ، قال: لأن حال المرأة التي يسمى لها المهر أحسن من حال التي لم يسم لها ، ثم لما لم يجب لها زيادة على نصف المسمى إذا طلقها قبل الدخول ، فلأن لا يجب زيادة على نصف مهر المثل أولى والله أعلم .