المسألة الثانية: قوله { يُخْرِجُهُم مِّنَ الظلمات إِلَى النور } ظاهره يقتضي أنهم كانوا في الكفر ثم أخرجهم الله تعالى من ذلك الكفر إلى الإيمان ، ثم هاهنا قولان:
القول الأول: أن يجري اللفظ على ظاهره ، وهو أن هذه الآية مختصة بمن كان كافرًا ثم أسلم ، والقائلون بهذا القول ذكروا في سبب النزول روايات أحدهما: قال مجاهد: هذه الآية نزلت في قوم آمنوا بعيسى عليه السلام وقوم كفروا به ، فلما بعث الله محمدًا A آمن به من كفر بعيسى ، وكفر به من آمن بعيسى عليه السلام وثانيتها: أن الآية نزلت في قوم آمنوا بعيسى عليه السلام على طريقة النصارى ، ثم آمنوا بعده بمحمد A ، فقد كان إيمانهم بعيسى حين آمنوا به ظلمةً وكفرًا ، لأن القول بالاتحاد كفر ، والله تعالى أخرجهم من تلك الظلمات إلى نور الإسلام وثالثتها: أن الآية نزلت في كل كافر أسلم بمحمد A .
والقول الثاني: أن يحمل اللفظ على كل من آمن بمحمد A سواء كان ذلك الإيمان بعد الكفر أو لم يكن كذلك ، وتقريره أنه لا يبعد أن يقال يخرجهم من النور إلى الظلمات وإن لم يكونوا في الظلمات ألبتة ، ويدل على جوازه: القرآن والخبر والعُرْف ، أما القرآن فقوله تعالى: { وَكُنتُمْ على شَفَا حُفْرَةٍ مّنَ النار فَأَنقَذَكُمْ مّنْهَا } [ آل عمران: 103 ] ومعلوم أنهم ما كانوا قط في النار وقال { لَمَّا ءَامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخزى } [ يونس: 98 ] ولم يكن نزل بهم عذاب ألبتة ، وقال في قصة يوسف عليه السلام: { تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بالله } [ يوسف: 37 ] ولم يكن فيها قط ، وقال: { وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر } [ النحل: 70 ] وما كانوا فيه قط ، وأما الخبر فروي « أنه A سمع إنسانًا قال: أشهد أن لا إله إلا الله ، فقال على الفطرة ، فلما قال: أشهد أن محمدًا رسول الله ، فقال خرج من النار » ، ومعلوم أنه ما كان فيها ، وروي أيضًا « أنه A أقبل على أصحابه فقال: تتهافتون في النار تهافت الجراد ، وها أنا آخذ بحجزكم » ، ومعلوم أنهم ما كانوا متهافتين في النار ، وأما العرف فهو أن الأب إذا أنفق كل ماله فالابن قد يقول له: أخرجتني من مالك أي لم تجعل لي فيه شيئًا ، لا أنه كان فيه ثم أخرج منه ، وتحقيقه أن العبد لو خلا عن توفيق الله تعالى لوقع في الظلمات . فصار توفيقه تعالى سببًا لدفع تلك الظلمات عنه ، وبين الدفع والرفع مشابهة ، فهذا الطريق يجوز استعمال الإخراج والإبعاد في معنى الدفع والرفع والله أعلم .
أما قوله تعالى: { والذين كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت } فاعلم أنه قرأ الحسن { أَوْلِيَاؤُهُمُ الطواغيت } واحتج بقوله تعالى بعده { يُخْرِجُونَهُم } إلا أنه شاذ مخالف للمصحف وأيضًا قد بينا في اشتقاق هذا اللفظ أنه مفرد لا جمع .