{ وَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم } [ آل عمران: 106 ] أي فيقال لهم ذلك .
المسألة الثانية: ذكروا في تفسير ( الرباني ) أقوالًا الأول: قال سيبويه: الرباني المنسوب إلى الرب ، بمعنى كونه عالمًا به ، ومواظبًا على طاعته ، كما يقال: رجل إلهي إذا كان مقبلًا على معرفة الإله وطاعته وزيادة الألف والنون فيه للدلالة على كمال هذه الصفة ، كما قالوا: شعراني ولحياني ورقباني إذا وصف بكثرة الشعر وطول اللحية وغلظ الرقبة ، فإذا نسبوا إلى الشعر قالوا: شعري وإلى الرقبة رقبي وإلى اللحية لحيي والثاني: قال المبرّد { الربانيون } أرباب العلم وأحدهم رباني ، وهو الذي يرب العلم ويرب الناس أي: يعلمهم ويصلحهم ويقوم بأمرهم ، فالألف والنون للمبالغة كما قالوا: ربان وعطشان وشبعان وعريان ، ثم ضمت إليه ياء النسبة كما قيل: لحياني ورقباني قال الواحدي: فعلى قول سيبويه الرباني: منسوب إلى الرب على معنى التخصيص بمعرفة الرب وبطاعته ، وعلى قول المبرد { الرباني } مأخوذ من التربية الثالث: قال ابن زيد: الرباني . هو الذي يرب الناس ، فالربانيون هم ولاة الأمة والعلماء ، وذكر هذا أيضًا في قوله تعالى: { لَوْلاَ ينهاهم الربانيون والأحبار } [ المائدة: 63 ] أي الولاة والعلماء وهما الفريقان اللذان يطاعان ومعنى الآية على هذا التقدير: لا أدعوكم إلى أن تكونوا عبادًا لي ، ولكن أدعوكم إلى أن تكونوا ملوكًا وعلماء باستعمالكم أمر الله تعالى ومواظبتكم على طاعته ، قال القفال C: ويحتمل أن يكون الوالي سمي ربانيًا ، لأنه يطاع كالرب تعالى ، فنسب إليه الرابع: قال أبو عبيدة أحسب أن هذه الكلمة ليست بعربية إنما هي عبرانية ، أو سريانية ، وسواء كانت عربية أو عبرانية ، فهي تدل على الإنسان الذي علم وعمل بما علم ، واشتغل بتعليم طرق الخير .
ثم قال تعالى: { بِمَا كُنتُمْ تُعَلّمُونَ الكتاب وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: في قوله { بِمَا كُنتُمْ تُعَلّمُونَ الكتاب } قراءتان إحداهما: { تَعْلَمُونَ } من العلم ، وهي قراءة عبد الله بن كثير ، وأبي عمرو ، ونافع والثانية: { تَعْلَمُونَ } من التعليم وهي قراءة الباقين من السبعة وكلاهما صواب ، لأنهم كانوا يعلمونه في أنفسهم ويعلمونه غيرهم ، واحتج أبو عمرو على أن قراءته أرجح بوجهين الأول: أنه قال: { تَدْرُسُونَ } ولم يقل { تَدْرُسُونَ } بالتشديد الثاني: أن التشديد يقتضي مفعولين والمفعول هاهنا واحد ، وأما الذين قرؤا بالتشديد فزعموا أن المفعول الثاني محذوف تقديره: بما كنتم تعلمون الناس الكتاب ، أو غيركم الكتاب وحذف ، لأن المفعول به قد يحذف من الكلام كثيرًا ، ثم احتجوا على أن التشديد أولى بوجهين الأول: أن التعليم يشتمل على العلم ولا ينعكس فكان التعليم أولى الثاني: أن الربانيين لا يكتفون بالعلم حتى يضموا إليه التعليم لله تعالى ألا ترى أنه تعالى أمر محمدًا A بذلك فقال: