فهرس الكتاب

الصفحة 1774 من 8321

{ ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة } [ النحل: 125 ] ويدل عليه قول مرة بن شراحيل: كان علقمة من الربانيين الذين يعلمون الناس القرآن .

المسألة الثانية: نقل ابن جِنيّ في «المحتسب» ، عن أبي حيوة أنه قرأ { تدرسون } بضم التاء ساكنة الدال مكسورة الراء ، قال ابن جني: ينبغي أن يكون هذا منقولًا من درس هو ، أو درس غيره ، وكذلك قرأ وأقرأ غيره ، وأكثر العرب على درس ودرس ، وعليه جاء المصدر على التدريس .

المسألة الثالثة: ( ما ) في القراءتين ، هي التي بمعنى المصدر مع الفعل ، والتقدير: كونوا ربانيين بسبب كونكم عالمين ومعلمين وبسبب دراستكم الكتاب ، ومثل هذا من كون ( ما ) مع الفعل بمعنى المصدر قوله تعالى: { فاليوم ننساهم كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هذا } [ الأعراف: 51 ] وحاصل الكلام أن العلم والتعليم والدراسة توجب على صاحبها كونه ربانيًا والسبب لا محالة مغاير للمسبب ، فهذا يقتضي أن يكون كونه ربانيًا ، أمرًا مغايرًا لكونه عالمًا ، ومعلمًا ، ومواظبًا على الدراسة ، وما ذاك إلا أن يكون بحيث يكون تعلمه لله ، وتعليمه ودراسته لله ، وبالجملة أن يكون الداعي له إلى جميع الأفعال طلب مرضاة الله ، والصارف له عن كل الأفعال الهرب عن عقاب الله ، وإذا ثبت أن الرسول يأمر جميع الخلق بهذا المعنى ثبت أنه يمتنع منه أن يأمر الخلق بعبادته ، وحاصل الحرف شيء واحد ، وهو أن الرسول هو الذي يكون منتهى جهده وجده صرف الأرواح والقلوب عن الخلق إلى الحق ، فمثل هذا الإنسان كيف يمكن أن يصرف عقول الخلق عن طاعة الحق إلى طاعة نفسه . وعند هذا يظهر أنه يمتنع في أحد من الأنبياء صلوات الله عليهم أن يأمر غيره بعبادته .

المسألة الرابعة: دلّت الآية على أن العلم والتعليم والدراسة توجب كون الإنسان ربانيًا ، فمن اشتغل بالتعلم والتعليم لا لهذا المقصود ضاع سعيه وخاب عمله وكان مثله مثل من غرس شجرة حسناء مونقة بمنظرها ولا منفعة بثمرها ولهذا قال E:"نعوذ بالله من علم لا ينفع وقلب لا يخشع". ثم قال تعالى: { وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الملائكة والنبيين أَرْبَابًا } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة وابن عامر { وَلاَ يَأْمُرَكُمْ } بنصب الراء ، والباقون بالرفع أما النصب فوجهه أن يكون عطفًا على { ثُمَّ يَقُولُ } وفيه وجهان أحدهما: أن تجعل { لا } مزيدة والمعنى: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوّة أن يقول للناس كونوا عبادًا لي من دون الله ويأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيّين أربابًا ، كما تقول: ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ويستخف بي والثاني: أن تجعل { لا } غير مزيدة ، والمعنى أن النبي A كان ينهى قريشًا عن عبادة الملائكة ، واليهود والنصارى عن عبادة عزير والمسيح ، فلما قالوا: أتريد أن نتخذك ربًا؟ قيل لهم: ما كان لبشر أن يجعله الله نبيًا ثم يأمر الناس بعبادة نفسه وينهاهم عن عبادة الملائكة والأنبياء ، وأما القراءة بالرفع على سبيل الاستئناف فظاهر لأنه بعد انقضاء الآية وتمام الكلام ، ومما يدل على الانقطاع عن الأول ما روي عن ابن مسعود أنه قرأ { وَلَنْ يَأْمُرُكُمْ } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت