فهرس الكتاب

الصفحة 1815 من 8321

والجواب: أن قوله { كَانَ ءَامِنًا } إثبات لمسمى الأمن ، ويكفي في العمل به إثبات الأمن من بعض الوجوه ، ونحن نقول به وبيانه من وجوه الأول: أن من دخله للنسك تقربًا إلى الله تعالى كان آمنًا من النار يوم القيامة ، قال النبي عليه السلام: « من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمنًا » وقال أيضًا: « من صبر على حر مكة ساعة من نهار تباعدت عنه جهنم مسيرة مائتي عام » وقال: « من حج ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه » والثاني: يحتمل أن يكون المراد ما أودع الله في قلوب الخلق من الشفقة على كل من التجأ إليه ودفع المكروه عنه ، ولما كان الأمر واقعًا على هذا الوجه في الأكثر أخبر بوقوعه على هذا الوجه مطلقًا وهذا أولى مما قالوه لوجهين الأول: أنا على هذا التقدير لا نجعل الخبر قائمًا مقام الأمر وهم جعلوه قائمًا مقام الأمر والثاني: أنه تعالى إنما ذكر هذا لبيان فضيلة البيت وذلك إنما يحصل بشيء كان معلومًا للقوم حتى يصير ذلك حجة على فضيلة البيت ، فأما الحكم الذي بيّنه الله في شرع محمد عليه السلام فإنه لا يصير ذلك حجة على اليهود والنصارى في إثبات فضيلة الكعبة .

الوجه الثالث: في تأويل الآية: أن المعنى من دخله عام عمرة القضاء مع النبي A كان آمنًا لأنه تعالى قال: { لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام إِن شَاء الله ءَامِنِينَ } [ الفتح: 27 ] الرابع: قال الضحاك: من حج حجة كان آمنًا من الذنوب التي اكتسبها قبل ذلك .

واعلم أن طرق الكلام في جميع هذه الأجوبة شيء واحد ، وهو أن قوله { كَانَ ءَامِنًا } حكم بثبوت الأمن وذلك يكفي في العمل به إثبات الأمن من وجه واحد وفي صورة واحدة فإذا حملناه على بعض هذه الوجوه فقد عملنا بمقتضى هذا النص فلا يبقى للنص دلالة على ما قالوه ، ثم يتأكد ذلك بأن حمل النص على هذا الوجه لا يفضي إلى تخصيص النصوص الدالة على وجوب القصاص وحمله على ما قالوه يفضي إلى ذلك فكان قولنا أولى والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت