فهرس الكتاب

الصفحة 1816 من 8321

قوله تعالى: { وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلًا } .

اعلم أنه تعالى لما ذكر فضائل البيت ومناقبه ، أردفه بذكر إيجاب الحج وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم { حَجَّ البيت } بكسر الحاء والباقون بفتحها ، قيل الفتح لغة الحجاز ، والكسر لغة نجد وهما واحد في المعنى ، وقيل هما جائزان مطلقًا في اللغة ، مثل رطل ورطل ، وبزر وبزر ، وقيل المكسورة اسم للعمل والمفتوحة مصدر ، وقال سيبويه: يجوز أن تكون المكسورة أيضًا مصدرًا ، كالذكر والعلم .

المسألة الثانية: في قوله { مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلًا } وجوه الأول: قال الزجاج: موضع { مِنْ } خفض على البدل من { الناس } والمعنى: ولله على من استطاع من الناس حج البيت الثاني: قال الفرّاء إن نويت الاستئناف بمن كانت شرطًا وأسقط الجزاء لدلالة ما قبله عليه ، والتقدير من استطاع إلى الحج سبيلًا فلله عليه حج البيت الثالث: قال ابن الأنباري: يجوز أن يكون { مِنْ } في موضع رفع على معنى الترجمة للناس ، كأنه قيل: من الناس الذين عليهم لله حج البيت؟ فقيل هم من استطاع إليه سبيلًا .

المسألة الثالثة: اتفق الأكثرون على أن الزاد والراحلة شرطان لحصول الاستطاعة ، روى جماعة من الصحابة عن النبي A أنه فسّر استطاعة السبيل إلى الحج بوجود الزاد والراحلة ، وروى القفال عن جويبر عن الضحاك أنه قال: إذا كان شابًا صحيحًا ليس له مال فعليه أن يؤاجر نفسه حتى يقضي حجه فقال له قائل: أكلف الله الناس أن يمشوا إلى البيت؟ فقال: لو كان لبعضهم ميراث بمكة أكان يتركه؟ قال: لا بل ينطلق إليه ولو حبوًا ، قال: فكذلك يجب عليه حج البيت ، عن عكرمة أيضًا أنه قال: الاستطاعة هي صحة البدن ، وإمكان المشي إذا لم يجد ما يركبه .

واعلم أن كل من كان صحيح البدن قادرًا على المشي إذا لم يجد ما يركب فإنه يصدق عليه أنه يستطيع لذلك الفعل ، فتخصيص هذه الاستطاعة بالزاد والراحلة ترك لظاهر اللفظ فلا بد فيه من دليل منفصل ، ولا يمكن التعويل في ذلك على الأخبار المروية في هذا الباب لأنها أخبار آحاد فلا يترك لأجلها ظاهر الكتاب لا سيما وقد طعن محمد بن جرير الطبري في رواة تلك الأخبار ، وطعن فيها من وجه آخر ، وهو أن حصول الزاد والراحلة لا يكفي في حصول الاستطاعة ، فإنه يعتبر في حصول الاستطاعة صحة البدن وعدم الخوف في الطريق ، وظاهر هذه الأخبار يقتضي أن لا يكون شيء من ذلك معتبرًا ، فصارت هذه الأخبار مطعونًا فيها من هذا الوجه بل يجب أن يعول في ذلك على ظاهر قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت