فهرس الكتاب

الصفحة 2013 من 8321

{ إِنَّ هذا القرءان يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ } [ الإسراء: 9 ] .

المسألة الثالثة: في نصب قوله { باطلا } وجوه: الأول: أنه نعت لمصدر محذوف أي خلقا باطلا . الثاني: أنه بنزع الخافض تقديره: بالباطل أو للباطل . الثالث: قال صاحب «الكشاف» : يجوز أن يكون «باطلا» حالا من «هذا» .

المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: إن كل ما يفعله الله تعالى فهو إنما يفعله لغرض الإحسان إلى العبيد ولأجل الحكمة ، والمراد منها رعاية مصالح العباد ، واحتجوا عليه بهذه الآية لأنه تعالى لو لم يخلق السموات والأرض لغرض لكان قد خلقها باطلا ، وذلك ضد هذه الآية قالوا: وظهر بهذه الآية أن الذي تقوله المجبرة: إن الله تعالى أراد بخلق السموات والأرض صدور الظلم والباطل من أكثر عباده وليكفروا بخالقها ، وذلك رد لهذه الآية ، قالوا: وقوله: { سبحانك } تنزيه له عن خلقه لهما باطلا ، وعن كل قبيح ، وذكر الواحدي كلاما يصلح أن يكون جوابا عن هذه الشبهة فقال: الباطل عبارة عن الزائل الذاهب الذي لا يكون له قوة ولا صلابة ولا بقاء ، وخلق السموات والأرض خلق متقن محكم ، ألا ترى إلى قوله: { مَّا ترى فِى خَلْقِ الرحمن مِن تفاوت فارجع البصر هَلْ ترى مِن فُطُورٍ } [ الملك: 3 ] وقال: { وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا } [ النبأ: 12 ] فكان المراد من قوله: { رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا } هذا المعنى ، لا ما ذكره المعتزلة .

فإن قيل: هذا الوجه مدفوع بوجوه: الأول: لو كان المراد بالباطل الرخو المتلاشي لكان قوله: { سبحانك } تنزيها له عن أن يخلق مثل هذا الخلق ، ومعلوم أن ذلك باطل . الثاني: أنه إنما يحسن وصل قوله: { فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } به إذا حملناه على المعنى الذي ذكرناه لأن التقدير: ما خلقته باطلا بغير حكمة بل خلقته بحكمة عظيمة ، وهي أن تجعلها مساكن للمكلفين الذين اشتغلوا بطاعتك وتحرزوا عن معصيتك ، فقنا عذاب النار ، لأنه جزاء من عصى ولم يطع ، فثبت أنا إذا فسرنا قوله: { وَمَا خَلَقْتُ هَذا باطلا } بما ذكرنا حسن هذا النظم ، أما إذا فسرناه بأنك خلقته محكما شديد التركيب لم يحسن هذا النظم . الثالث: أنه تعالى ذكر هذا في آية أخرى فقال: { وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا باطلا ذلك ظَنُّ الذين كَفَرُواْ } [ ص: 27 ] وقال في آية أخرى: { وَمَا خَلَقْنَا السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ * مَا خلقناهما إِلاَّ بالحق } [ الدخان: 38 ، 39 ] وقال في آية أخرى: { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خلقناكم عَبَثًا } [ المؤمنون: 115 ] إلى قوله: { فتعالى الله الملك الحق } [ المؤمنون: 116 ] أي فتعالى الملك الحق عن أن يكون فعله عبثا ، وإذا امتنع أن يكون عبثا فبأن يمتنع كونه باطلا أولى .

والجواب: اعلم أن بديهة العقل شاهدة بأن الموجود إما واجب لذاته ، وإما ممكن لذاته ، وشاهده أن كل ممكن لذاته فإنه لا بد وأن ينتهي في رجحانه إلى الواجب لذاته ، وليس في هذه القضية تخصيص بكون ذلك الممكن مغايرا لأفعال العباد ، بل هذه القضية على عمومها قضية يشهد العقل بصحتها ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون الخير والشر بقضاء الله . وإذا كان كذلك امتنع يكون المراد من هذه الآية تعليل أفعال الله تعالى بالمصالح ، إذا عرفت هذا فنقول: لم لا يجوز أن يكون تأويل الآية ما حكيناه عن الواحدي: قوله: ولو كان كذلك لكان قوله: { سبحانك } تنزيها له عن فعل ما لا شدة فيه ولا صلابة وذلك باطل . قلنا: لم لا يجوز أن يكون المراد: ربنا ما خلقت هذا رخوا فاسد التركيب بل خلقته صلبا محكما ، وقوله: { سبحانك } معناه أنك وإن خلقت السموات والأرض صلبة شديدة باقية فأنت منزه عن الاحتياج إليه والانتفاع به فيكون قوله: { سبحانك } معناه هذا . قوله ثانيا: إنما حسن وصل قوله: { فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } به إذا فسرناه بقولنا ، قلنا لا نسلم بل وجه النظم أنه لما قال: { سبحانك } اعترف بكونه غنيًا عن كل ما سواه ، فعندما وصفه بالغنى أقر لنفسه بالعجز والحاجة إليه في الدنيا والآخرة فقال: { فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } وهذا الوجه في حسن النظم إن لم يكن أحسن مما ذكرتم لم يكن أقل منه ، وأما سائر الآيات التي ذكرتموها فهي دالة على أن أفعاله منزهة عن أن تكون موصوفة بكونها عبثا ولعبا وباطلا ، ونحن نقول بموجبه ، وإن أفعال الله كلها حكمة وصواب ، لأنه تعالى لا يتصرف إلا في ملكه وملكه ، فكان حكمه صوابا على الاطلاق فهذا ما في هذه المناظرة والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت