فهرس الكتاب

الصفحة 2015 من 8321

المسألة الثانية: المقصود منه تعليم الله عباده كيفية الدعاء ، وذلك أن من أراد الدعاء فلا بد وأن يقدم الثناء ثم يذكر بعده الدعاء كما في هذه الآية .

أما قوله تعالى: { فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } فاعلم أنه تعالى لما حكى عن هؤلاء العباد المخلصين أن ألسنتهم مستغرقة بذكر الله تعالى ، وأبدانهم في طاعة الله ، وقلوبهم في التفكر في دلائل عظمة الله ، ذكر أنهم مع هذه الطاعات يطلبون من الله أن يقيهم عذاب النار ، ولولا أنه يحسن من الله تعذيبهم وإلا لكان هذا الدعاء عبثًا ، فإن كان المعتزلة ظنوا أن أول الآية حجة لهم ، فليعلموا أن آخر هذه الآية حجة لنا في أنه لا يقبح من الله شيء أصلا ، ومثل هذا التضرع ما حكاه الله تعالى عن إبراهيم في قوله: { والذى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدين } [ الشعراء: 82 ] .

النوع الثاني من دعواتهم: قوله تعالى حكاية عنهم: { رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا للظالمين مِنْ أنصار } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنهم لما سألوا ربهم أن يقيهم عذاب النار أتبعوا ذلك بما يدل على عظم ذلك العقاب وشدته وهو الخزي ، ليكون موقع السؤال أعظم ، لأن من سأل ربه أن يفعل شيئًا أو أن لا يفعله ، إذا شرح عظم ذلك المطلوب وقوته كانت داعيته في ذلك الدعاء أكمل وإخلاصه في طلبه أشد ، والدعاء لا يتصل بالاجابة إلا إذا كان مقرونًا بالإخلاص ، فهذا تعليم من الله عباده في كيفية إيراد الدعاء .

المسألة الثانية: قال الواحدي: الاخزاء في اللغة يرد على معان يقرب بعضها من بعض . قال الزجاج: أخزى الله العدو ، أي أبعده وقال غيره: أخزاه الله أي أهانه ، وقال شمر بن حمدويه أخزاه الله أي فضحه الله ، وفي القرآن { وَلاَ تُخْزُونِ فِى ضَيْفِى } [ هود: 78 ] وقال المفضل: أخزاه الله أي أهلكه وقال ابن الانباري: الخزي في اللغة الهلاك بتلف أو انقطاع حجة أو بوقوع في بلاء ، وكل هذه الوجوه متقاربة . ثم قال صاحب «الكشاف» : { فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ } أي قد أبلغت في إخزائه وهو نظير ما يقال: من سبق فلانًا فقد سبق ، ومن تعلم من فلان فقد تعلم .

المسألة الثالثة: قالت المعتزلة هذه الآية دالة على أن صاحب الكبيرة من أهل الصلاة ليس بمؤمن ، وذلك لأن صاحب الكبيرة اذا دخل النار فقد أخزاه الله لدلالة هذه الآية ، والمؤمن لا يخزى لقوله تعالى: { يَوْمَ لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه } فوجب من مجموع هاتين الآيتين أن لا يكون صاحب الكبيرة مؤمنا .

والجواب: أن قوله { يَوْم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه } [ التحريم: 8 ] لا يقتضي نفي الاخزاء مطلقا ، وإنما يقتضي أن لا يحصل الاخزاء حال ما يكون مع النبي ، وهذا النفي لا يناقضه إثبات الاخزاء في الجملة لاحتمال أن يحصل ذلك الاثبات في وقت آخر ، هذا هو الذي صح عندي في الجواب ، وذكر الواحدي في البسيط أجوبة ثلاثة سوى ما ذكرناه: أحدها: أنه نقل عن سعيد بن المسيب والثوري وقتادة أن قوله: { إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ } مخصوص بمن يدخل النار للخلود ، وهذا الجواب عندي ضعيف ، لأن مذهب المعتزلة أن كل فاسق دخل النار فإنما دخلها للخلود ، فهذا لا يكون سؤالا عنهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت