[ التحريم: 8 ] ولقوله: { وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة } [ آل عمران: 194 ] .
ثم قال تعالى: { فاستجاب لَهُمْ رَبُّهُمْ } [ آل عمران: 195 ] وهذه الاستجابة تدل على أنه تعالى لا يخزي المؤمنين ، فثبت بما ذكرنا أن صاحب الكبيرة لا يخزى بالنار ، وإنما قلنا إن كل من دخل النار فإنه يخزى لقوله تعالى: { إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ } وحينئذ يتولد من هاتين المقدمتين القطع بأن صاحب الكبيرة لا يدخل النار .
والجواب عنه ما تقدم: أن قوله: { يَوْم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه } [ التحريم: 8 ] لا يدل على نفي الاخزاء مطلقًا ، بل يدل على نفي الاخزاء حال كونهم مع النبي ، وذلك لا ينافي حصول الاخزاء في وقت آخر .
المسألة الخامسة: قوله: { إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ } عام دخله الخصوص في مواضع منها: أن قوله تعالى: { وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ على رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجّى الذين اتقوا } [ مريم: 71 72 ] يدل على أن كل المؤمنين يدخلون النار ، وأهل الثواب يصانون عن الخزي . وثانيها: أن الملائكة الذين هم خزنة جهنم يكونون في النار ، وهم أيضا يصانون عن الخزي . قال تعالى: { عَلَيْهَا ملائكة غِلاَظٌ شِدَادٌ } [ التحريم: 6 ] .
المسألة السادسة: احتج حكماء الاسلام بهذه الآية على أن العذاب الروحاني أشد وأقوى من العذاب الجسماني ، قالوا: لأن الآية دالة على التهديد بعد عذاب النار بالخزي ، والخزي عبارة عن التخجيل وهو عذاب روحاني ، فلولا أن العذاب الروحاني أقوى من العذاب الجسماني وإلا لما حسن تهديد من عذب بالنار بعذاب الخزي والخجالة .
المسألة السابعة: احتجت المعتزلة بهذه الآية على أن الفساق الذين دخلوا النار لا يخرجون منها بل يبقون هناك مخلدين ، وقالوا: الخزي هو الهلاك ، فقوله: { إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ } معناه فقد أهلكته ، ولو كانوا يخرجون من النار الى الجنة لما صح أن كل من دخل النار فقد هلك . والجواب: أنا لا نفسر الخزي بالاهلاك بل نفسره بالاهانة والتخجيل ، وعند هذا يزول كلامكم .
أما قوله تعالى: { وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ } وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: المعتزلة تمسكوا به في نفي الشفاعة للفساق ، وذلك لأن الشفاعة نوع نصرة ، ونفي الجنس يقتضي نفي النوع .
والجواب من وجوه: الأول: أن القرآن دل على أن الظالم بالاطلاق هو الكافر ، قال تعالى: { والكافرون هُمُ الظالمون } [ البقرة: 254 ] ومما يؤكد هذا أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم خصصوا أنفسهم بنفي الشفعاء والأنصار حيث قالوا: { فَمَا لَنَا مِن شافعين وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ } [ الشعراء: 101 ] وثانيها: أن الشفيع لا يمكنه أن يشفع إلا بإذن الله ، قال تعالى: { مَن ذَا الذى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } [ البقرة: 255 ] وإذا كان كذلك لم يكن الشفيع قادرًا على النصرة إلا بعد الإذن ، وإذا حصل الإذن لم يكن في شفاعته فائدة في الحقيقة ، وعند ذلك يظهر أن العفو إنما حصل من الله تعالى ، وتلك الشفاعة ما كان لها تأثير في نفس الأمر ، وليس الحكم إلا لله ، فقوله: { وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ } يفيد أنه لا حكم إلا الله كما قال: