المسألة السابعة: الآية دالة على التحذير من نكاح الاماء ، وأنه لا يجوز الإقدام عليه إلا عند الضرورة ، والسبب فيه وجوه: الأول: أن الولد يتبع الأم في الرق والحرية ، فإذا كانت الأم رقيقة علق الولد رقيقا ، وذلك يوجب النقص في حق ذلك الانسان وفي حق ولده . والثاني: أن الأمة قد تكون تعودت الخروج والبروز والمخالطة بالرجال وصارت في غاية الوقاحة ، وربما تعودت الفجور ، وكل ذلك ضرر على الأزواج . الثالث: أن حق المولى عليها أعظم من حق الزوج ، فمثل هذه الزوجة لا تخلص للزوج كخلوص الحرة ، فربما احتاج الزوج إليها جدا ولا يجد إليها سبيلا لأن السيد يمنعها ويحبسها . الرابع: أن المولى قد يبيعها من إنسان آخر ، فعلى قول من يقول: بيع الأمة طلاقها ، تصير مطلقة شاء الزوج أم أبى ، وعلى قول من لا يرى ذلك فقد يسافر المولى الثاني بها وبولدها ، وذلك من أعظم المضار . الخامس: أن مهرها ملك لمولاها ، فهي لا تقدر على هبة مهرها من زوجها ، ولا على إبرائه عنه ، بخلاف الحرة ، فلهذه الوجه ما أذن الله في نكاح الأمة إلا على سبيل الرخصة ، والله أعلم .
قوله تعالى: { فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أيمانكم مّن فتياتكم المؤمنات } فيه مسائل:
المسألة الأولى: قوله: { فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أيمانكم } أي فليتزوج مما ملكت أيمانكم . قال ابن عباس: يريد جارية أختك ، فِِإن الإنسان لا يجوز له أن يتزوج بجارية نفسه .
المسألة الثانية: الفتيات: المملوكة جمع فتاة ، والعبد فتى ، وعن النبي A: « لا يقولن أحدكم عبدي ولكن ليقل فتاي وفتاتي » ويقال للجارية الحديثة: فتاة ، وللغلام فتى ، والأمة تسمى فتاة ، عجوزًا كانت أو شابة ، لأنها كالشابة في أنها لا توقر توقير الكبير .
المسألة الثالثة: قوله: { مّن فتياتكم المؤمنات } يدل على تقييد نكاح الأمة بما إذا كانت مؤمنة فلا يجوز التزوج بالأمة الكتابية ، سواء كان الزوج حرًا أو عبدا ، وهذا قول مجاهد وسعيد والحسن ، وقول مالك والشافعي ، وقال أبو حنيفة: يجوز التزوج بالأمة الكتابية .
حجة الشافعي Bه: أن قوله: { مّن فتياتكم المؤمنات } تقييد لجواز نكاح الأمة بكونها مؤمنة ، وذلك ينفي جواز نكاح غير المؤمنة من الوجهين اللذين ذكرناهما في مسألة طول الحرة ، وأيضا قال تعالى: { وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ } [ البقرة: 221 ] .
حجة أبي حنيفة Bه من وجوه: النص والقياس: أما النص فالعمومات التي ذكرنا تمسكه بها في طول الحرة ، وآكدها قوله: { والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ } [ المائدة: 5 ] وأما القياس فهو أنا أجمعنا على أن الكتابة الحرة مباحة ، والكتابية المملوكة أيضا مباحة ، فكذلك إذا تزوج بالكتابية المملوكة وجب أنه يجوز .
والجواب عن العمومات: أن دلائلنا خاصة فتكون مقدمة على العمومات ، وعن القياس: أن الشافعي قال: إذا تزوج بالحرة الكتابية فهناك نقص واحد ، أما إذا تزوج بالأمة الكتابية فهناك نوعان من النقص: الرق والكفر ، فظهر الفرق .