فهرس الكتاب

الصفحة 219 من 8321

{ تَكَادُ السموات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأرض وَتَخِرُّ الجبال هَدَّا أَنْ دَعَوْا للرحمن وَلَدًا } [ مريم: 90 ، 91 ] وبين أن طاعته سبب للمصالح قال تعالى: { وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة واصطبر عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ والعاقبة للتقوى } [ طه: 132 ] في أيها الرعية كونوا مطيعين لملوككم ، ويا أيها الملوك كونوا مطيعين لملك الملوك حتى تنتظم مصالح العالم . الحكم الخامس: أنه لما وصف نفسه بكونه ملكًا ليوم الدين أظهر للعالمين كمال عدله فقال: { وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ } [ فصلت: 46 ] ثم بين كيفية العدل فقال: { وَنَضَعُ الموازين القسط لِيَوْمِ القيامة فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا } [ الأنبياء: 47 ] فظهر بهذا أن كونه ملكًا حقًا ليوم الدين إنما يظهر بسبب العدل ، فإن كان الملك المجازي عادلًا كان ملكًا حقًا وإلا كان ملكًا باطلًا فإن كان ملكًا عادلًا حقًا حصل من بركة عدله الخير والراحة في العالم وإن كان ملكًا ظالمًا ارتفع الخير من العالم .

يروى أن أنوشروان خرج إلى الصيد يومًا ، وأوغل في الركض ، وانقطع عن عسكره واستولى العطش عليه ، ووصل إلى بستان ، فلما دخل ذلك البستان رأى أشجار الرمان فقال لصبي حضر في ذلك البستان: أعطني رمانة واحدة ، فأعطاه رمانة فشقها وأخرج حبها وعصرها فخرج منه ماء كثير فشربه ، وأعجبه ذلك الرمان فعزم على أن يأخذ ذلك البستان من مالكه ثم قال لذلك الصبي: أعطني رمانة أخرى ، فأعطاه فعصرها فخرج منها ماء قليل فشربه فوجده عفصًا مؤذيًا ، فقال: أيها الصبي لم صار الرمان هكذا؟ فقال الصبي: لعل ملك البلد عزم على الظلم ، فلأجل شؤم ظلمه صار الرمان هكذا ، فتاب أنوشروان في قلبه عن ذلك الظلم ، وقال لذلك الصبي: أعطني رمانة أخرى ، فأعطاه فعصرها فوجدها أطيب من الرمانة الأولى ، فقال للصبي: لم بدلت هذه الحالة؟ فقال الصبي: لعل ملك البلد تاب عن ظلمه ، فلما سمع أنوشروان هذه القصة من ذلك الصبي وكانت مطابقة لأحوال قلبه تاب بالكلية عن الظلم ، فلا جرم بقي اسمه مخلدًا في الدنيا بالعدل ، حتى إن من الناس من يروي عن رسول الله A أنه قال: «ولدت في زمن الملك العادل» .

أما الأحكام المفرعة على كونه مالكًا فهي أربعة: الحكم الأول: قراءة المالك أرجى من قراءة الملك؛ لأن أقصى ما يرجى من الملك العدل والإنصاف وأن ينجو الإنسان منه رأسًا برأس ، أما المالك فالعبد يطلب منه الكسوة والطعام والرحمة والتربية فكأنه تعالى يقول: أنا مالككم فعلي طعامكم وثيابكم وثوابكم وجنتكم . الحكم الثاني: الملك وإن كان أغنى من المالك غير أن الملك يطمع فيك والمالك أنت تطمع فيه ، وليست لنا طاعات ولا خيرات فلا يريد أن يطلب منا يوم القيامة أنواع الخيرات والطاعات ، بل يريد أن نطلب منه يوم القيامة الصفح والمغفرة وإعطاء الجنة بمجرد الفضل ، فلهذا السبب قال الكسائي: إقرأ مالك يوم الدين لأن هذه القراءة هي الدالة على الفضل الكثير والرحمة الواسعة . الحكم الثالث: أن الملك إذا عرض عليه العسكر لم يقبل إلا من كان قوي البدن صحيح المزاج ، أما من كان مريضًا فإنه يرده ولا يعطيه شيئًا من الواجب ، أما المالك إذا كان له عبد فإن مرض عالجه وإن ضعف أعانه وإن وقع في بلاء خلصه ، فالقراءة بلفظ المالك أوفق للمذنبين والمساكين . الحكم الرابع: الملك له هيبة وسياسة ، والمالك له رأفة ورحمة ، واحتياجنا إلى الرأفة والرحمة أشد من احتياجنا إلى الهيبة والسياسة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت