{ إِنَّ الله وملائكته يُصَلُّونَ عَلَى النبى ياأيها الذين ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا } [ الأحزاب: 56 ] يروى في التفسير أن اليهود كانوا إذا دخلوا قالوا: السام عليك ، فحزن الرسول E لهذا المعنى ، فبعث الله جبريل عليه السلام وقال: إن كان اليهود يقولون السام عليك ، فأنا أقول من سرادقات الجلال: السلام عليك ، وأنزل قوله: { إِنَّ الله وملائكته يُصَلُّونَ عَلَى النبى } إلى قوله: { وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا } .
وأما ما يدل من الأخبار على فضيلة السلام فما روي أن عبدالله بن سلام قال: لما سمعت بقدوم الرسول E دخلت في غمار الناس ، فأول ما سمعت منه: « يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام » . وأما ما يدل على فضل السلام من جهة المعقول فوجوه: الأول: قالوا: تحية النصارى وضع اليد على الفم ، وتحية اليهود بعضهم لبعض الاشارة بالأصابع ، وتحية المجوس الانحناء ، وتحية العرب بعضهم لبعض أن يقولوا: حياك الله ، وللملوك أن يقولوا: أنعم صباحا ، وتحية المسلمين بعضهم لبعض أن يقولوا: السلام عليك ورحمة الله وبركاته ، ولا شك أن هذه التحية أشرف التحيات وأكرمها . الثاني: أن السلام مشعر بالسلامة من الآفات والبليات . ولا شك أن السعي في تحصيل الصون عن الضرر أولى من السعي في تحصيل النفع . الثالث: أن الوعد بالنفع يقدر الانسان على الوفاء به وقد لا يقدر ، أما الوعد بترك الضرر فانه يكون قادرا عليه لا محالة ، والسلام يدل عليه . فثبت أن السلام أفضل أنواع التحية .
المسألة الثالثة: من الناس من قال: من دخل دارًا وجب عليه أن يسلم على الحاضرين ، واحتج عليه بوجوه: الأول: قوله تعالى: { ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ على أَهْلِهَا } [ النور: 27 ] وقال E: « أفشوا السلام » والأمر للوجوب . الثاني: أن من دخل على إنسان كان كالطالب له ، ثم المدخول عليه لا يعلم أنه يطلبه لخير أو لشر ، فاذا قال: السلام عليك فقد بشره بالسلامة وآمنه من الخوف ، وإزالة الضرر عن المسلم واجبة قال E: « المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه » فوجب أن يكون السلام واجبا . الثالث: أن السلام من شعائر أهل الاسلام ، وإظهار شعائر الاسلام واجب ، وأما المشهور فهو أن السلام سنة ، وهو قول ابن عباس والنخعي .
وأما الجواب على السلام فقد أجمعوا على وجوبه ، ويدل عليه وجوه: الأول: قوله تعالى { وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } الثاني: أن ترك الجواب إهانة ، والاهانة ضرر والضرر حرام .
المسألة الرابعة: منتهى الأمر في السلام أن يقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، بدليل أن هذا القدر هو الوارد في التشهد .