فهرس الكتاب

الصفحة 237 من 8321

الفرع الثاني: أن أول نعم الله على العبيد هو أن خلقهم أحياء ، ويدل عليه العقل والنقل أما العقل فهو أن الشيء لا يكون نعمة إلا إذا كان بحيث يمكن الانتفاع به ، ولا يمكن الانتفاع به إلا عند حصول الحياة ، فإن الجماد والميت لا يمكنه أن ينتفع بشيء ، فثبت أن أصل جميع النعم هو الحياة ، وأما النقل فهو أنه تعالى قال: { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم } [ البقرة: 28 ] ثم قال عقيبه: { هُوَ الذى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الأرض جَمِيعًا } [ البقرة: 29 ] فبدأ بذكر الحياة ، وثنى بذكر الأشياء التي ينتفع بها ، وذلك يدل على أن أصل جميع النعم هو الحياة .

الفرع الثالث: اختلفوا في أنه هل لله تعالى نعمة على الكافر أم لا؟ فقال بعض أصحابنا: ليس لله تعالى على الكافر نعمة ، وقالت المعتزلة: لله على الكافر نعمة دينية ، ونعمة دنيوية واحتج الأصحاب على صحة قولهم بالقرآن والمعقول: أما القرآن فآيات . إحداها: قوله تعالى: { صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } وذلك لأنه لو كان لله على الكافر نعمة لكانوا داخلين تحت قوله تعالى: { أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } ولو كان كذلك لكان قوله: { اهدنا الصراط المستقيم صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } طلبًا لصراط الكفار ، وذلك باطل ، فثبت بهذه الآية أنه ليس لله نعمة على الكفار ، فإن قالوا: إن قوله الصراط يدفع ذلك ، قلنا: إن قولنا: { صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } بدل من قوله: { الصراط المستقيم } فكان التقدير إهدنا صراط الذين أنعمت عليهم ، وحينئذٍ يعود المحذور المذكور . والآية الثانية: قوله تعالى: { وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌلأِنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًَا } [ آل عمران: 178 ] وأما المعقول فهو أن نعم الدنيا في مقابلة عذاب الآخرة على الدوام قليلة كالقطرة في البحر ، ومثل هذا لا يكون نعمة ، بدليل أن من جعل السم في الحلواء لم يعد النفع الحاصل منه نعمة لأجل أن ذلك النفع حقير في مقابلة ذلك الضرر الكثير ، فكذا ههنا .

وأما الذين قالوا إن لله على الكافر نعمًا كثيرة فقد احتجوا بآيات: إحداها: قوله تعالى: { ياأيها الناس اعبدوا رَبَّكُمُ الذى خَلَقَكُمْ والذين مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الذى جَعَلَ لَكُمُ الأرض فِرَاشًا والسماء بِنَاء } [ البقرة: 21 ، 22 ] فنبه على أنه يجب على الكل طاعة الله لمكان هذه النعم العظيمة . وثانيها: قوله: { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم } [ البقرة: 28 ] ذكر ذلك في معرض الامتنان وشرح النعم . وثالثها: قوله تعالى: { يابنى إسراءيل اذكروا نِعْمَتِيَ التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ }

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت