فهرس الكتاب

الصفحة 2502 من 8321

{ إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ } [ التوبة: 28 ] وكلمة { إِنَّمَا } للحصر ، وهذا يدل على أن المؤمن لا تنجس أعضاؤه ألبتة . الثاني: قوله عليه السلام: « المؤمن لا ينجس حيًا ولا ميتا » فهذا الحديث مع تلك الآية كالنص الدال على بطلان ما قالوه . الثالث: أجمعت الأمة على أن بدن المحدث لو كان رطبًا فأصابه ثوب لم يتنجس ، ولو حمله إنسان وصلّى لم تفسد صلاته ، وذلك يدل على أنه لا نجاسة في أعضاء المحدث . الرابع: أن الحدث لو كان يوجب نجاسة الأعضاء الأربعة ثم كان تطهير الأعضاء الأربعة يوجب طهارة كل الأعضاء لوجب أن لا يختلف ذلك باختلاف الشرائع ، ومعلوم أنه ليس الأمر كذلك . الخامس: أن خروج النلجاسة من موضع كيف يوجب تنجس موضع آخر السادس: أن قوله { ولكن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ } مذكور عقيب التيمم ، ومن المعلوم بالضرورة أن التيمم زيادة في التقدير وإزالة الوضاءة والنظافة ، وأنه لا يزيل شيئًا من النجاسات أصلًا ، السابع: أن المسح على الخفين قائم مقام غسل الرجلين ، ومعلوم أن هذا المسح لا يزيل شيئًا البتة عن الرجلين ، الثامن: أن الذي يراد زواله إن كان من جملة الأجسام فالحس يشهد ببطلان ذلك ، وإن كان من جملة الإعراض فهو محال ، لأن انتقال الأعراض محال ، فثبت بهذه الوجوه أن الذي يقوله هؤلاء الفقهاء بعيد .

الوجه الثاني: في تفسير هذا التطهير أن يكون المراد منه طهارة القلب عن صفة التمرد عن طاعة الله تعالى ، وذلك لأن الكفر والمعاصي نجاسة للأرواح ، فإن النجاسة إنما كانت نجاسة لأنها شيء يراد نفيه وإزالته وتبعيده ، والكفر المعاصي كذلك ، فكانت نجاسات روحانية ، وكما أن إزالة النجاسات الجسمانية تسمى طهارة فكذلك إزالة هذه العقائد الفاسدة والأخلاق الباطلة تسمى طهارة ، ولهذا التأويل قال الله تعالى: { إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ } فجعل رأيهم نجاسة ، وقال { إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيرًا } [ الأحزاب: 33 ] فجعل براءتهم عن المعاصي طهارة لهم . وقال في حق عيسى عليه السلام: { إِنّي مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهّرُكَ مِنَ الذين كَفَرُواْ } [ آل عمران: 55 ] فجعل خلاصه عن طعنهم وعن تصرفهم فيه تطهيرًا له .

وإذا عرفت هذا فنقول: إنه تعالى لما أمر العبد بإيصال الماء إلى هذه الأعضاء المخصوصة وكانت هذه الأعضاء طاهرة لم يعرف العبد في هذا التكليف فائدة معقولة ، فلما انقاد لهذا التكليف كان ذلك الانقياد لمحض إظهار العبودية والانقياد للربوبية ، فكان هذا الانقياد قد أزال عن قلبه آثار التمرد فكان ذلك طهارة ، فهذا هو الوجه الصحيح في تسمية هذه الأعمال طهارة ، وتأكد هذا بالأخبار الكثيرة الواردة في أن المؤمن إذا غسل وجهه خرت خطاياه من وجهه ، وكذا القول في يديه ورأسه ورجائه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت