فإن قالوا: إن ابن مسعود قرأ فاقطعوا أيمانهما ، فكان هذا الحكم مختصًا باليمين لا في مطلق الأيدي ، والقراءة الشاذة جارية مجرى خبر الواحد .
قلنا: القراءة الشاذة لا تبطل لقراءة المتواترة ، فنحن نتمسك بالقراءة المتواترة في إثبات مذهبنا وأيضًا القراءة الشاذة ليست بحجة عندنا ، لأنا نقطع أنها ليست قرآنًا ، إذ لو كانت قرآنًا لكانت متواترة ، فإنا لو جوزنا أن لا ينقل شيء من القرآن إلينا على سبيل التواتر انفتح باب طعن الروافض والملاحدة في القرآن ، ولعلّه كان في القرآن آيات دالة على إمامة علي بن أبي طالب Bه نصًا ، وما نقلت إلينا ، ولعلّه كان فيه آيات دالة على نسخ أكثر هذه الشرائع وما نقلت إلينا ولما كان ذلك باطلًا بأنه لو كان قرآنًا لكان متواترًا ، فلما لم يكن متواترًا قطعنا أنه ليس بقرآن ، فثبت أن القراءة الشاذة ليست بحجة ألبتة .
المسألة الخامسة: قال الشافعي C: أغرم السارق ما سرق . وقال أبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحاق: لا يجمع بين القطع والغرم ، فإن غرم فلا قطع ، وإن قطع فلا غرم . وقال مالك رحمه لله: يقطع بكل حال ، وأما الغرم فليزمه إن كان غنيًا ، ولا يلزمه إن كان فقيرًا .
حجة الشافعي C أن الآية دلت على أن السرقة توجب القطع ، وقوله E: « على اليد ما أخذت حتى تؤديه » يوجب الضمان ، وقد اجتمع الأمران في هذه السرقة فوجب أن يجب القطع والضمان ، فلو ادعى مدع أن الجمع ممتنع كان ذلك معارضة ، وعليه الدليل ، على أنا نقول: إن حد الله لا يمنع حق العباد ، بدليل أنه يجتمع الجزاء والقيمة في الصيد المملوك ، وبدليل أنه لو كان المسروق باقيًا وجب رده بالإجماع ، ويدل عليه أيضًا أن المسروق كان باقيًا على ملك المالك إلى وقت قطع يد السارق بالاتفاق ، فعند حصول القطع إما أن يحصل الملك فيه مقتصرًا على وقت القطع ، أو مسندًا إلى أول زمان السرقة ، والأول: لا يقول به الخصم ، والثاني: يقتضي أن يقال: إنه حدث الملك فيه من وقت القطع في الزمان الذي كان سابقًا على ذلك الوقت ، وهذا يقتضي وقوع الفعل في الزمان الماضي . وهذا محال .
حجة أبي حنيفة C أنه تعالى حكم بكون هذا القطع جزاء ، والجزاء هو الكافي ، فدل ذلك على أن هذا القطع كاف في جناية السرقة ، وإذا كان كافيًا وجب أن لا يضم الغرم إليه .
والجواب: لو كان الأمر كما قلتم لوجب أن لا يلزم رد المسروق عند كونه قائمًا ، والله أعلم بالصواب .