{ قُلِ الله ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ } [ الأنعام: 91 ] إذا عرفت هذا فنقول: اسم الله عزّ وجلّ أقوى الأسماء في تجلي ذاته ، لأنه أظهر الأسماء في اللفظ ، وأبعدها معنى عن العقول ، فهو ظاهر باطن ، يعسر إنكاره . ولا تدرك أسراره ، قال الحسين بن منصور الحلاج:
اسم مع الخلق قد تاهوا به وَلَهًَا ... ليعلموا منه معنى من معانيه
والله ما وصلوا منه إلى سبب ... حتى يكون الذين أبداه مبديه
وقال أيضًا:
يا سر سر يدق حتى ... يخفي على وهم كل حي
فظاهرًا باطنًا تجلى ... لكل شيء بكل شيء
وأما اسمه الرحمن فهو يفيد تجلي الحق بصفاته العالية ، ولذلك قال: { قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن أَيّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأسماء الحسنى } [ الإسراء: 110 ] وأما اسمه الرحيم فهو يفيد تجلى الحق بأفعاله وآياته ولهذا السبب قال: { رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْء رَّحْمَةً وَعِلْمًا } [ غافر: 7 ] .
الفصل التاسع:
في سبب اشتمال الفاتحة على الأسماء الخمسة
سبب اشتمال الفاتحة على الأسماء الخمسة:
السبب فيه أن مراتب أحوال الخلق خمسة: أولها: الخلق ، وثانيها: التربية في مصالح الدنيا ، وثالثها: التربية في تعريف المبدأ ، ورابعها: التربية في تعريف المعاد ، وخامسها: نقل الأرواح من عالم الأجساد إلى دار المعاد ، فاسم الله منبع الخلق والإيجاد والتكوين والإبداع واسم الرب يدل على التربية بوجوه الفضل والإحسان ، واسم الرحمن يدل على التربية في معرفة المبدأ ، واسم الرحيم في معرفة المعاد حتى يحترز عما لا ينبغي ويقدم على ما ينبغي ، واسم الملك يدل على أنه ينقلهم من دار الدنيا إلى دار الجزاء ، ثم عند وصول العبد إلى هذه المقامات انتقل الكلام من الغيبة إلى الحضور فقال: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } كأنه يقول: إنك إذا انتفعت بهذه الأسماء الخمسة في هذه المراتب الخمس وانتقلت إلى دار الجزاء صرت بحيث ترى الله ، فحينئذٍ تكلم معه على سبيل المشاهدة لا على سبيل المغايبة ، ثم قل: إياك نعبد وإياك نستعين ، كأنه قال: إياك نعبد لأنك الله الخالق ، وإياك نستعين لأنك الرب الرازق ، إياك نعبد لأنك الرحمن ، وإياك نستعين لأنك الرحيم ، إياك نعبد لأنك الملك ، وإياك نستعين لأنك المالك .
واعلم أن قوله مالك يوم الدين دل على أن العبد منتقل من دار الدنيا إلى دار الآخرة ، ومن دار الشرور إلى دار السرور ، فقال: لا بدّ لذلك اليوم من زاد واستعداد ، وذلك هو العبادة ، فلا جرم قال: إياك نعبد ، ثم قال العبد: الذي اكتسبته بقوتي وقدرتي قليل لا يكفيني في ذلك اليوم الطويل فاستعان بربه فقال ، ما معنى قليل ، فأعطني من خزائن رحمتك ما يكفيني في ذلك اليوم الطويل فقال: وإياك نستعين ، ثم لما حصل الزاد ليوم المعاد قال: هذا سفر طويل شاق والطرق كثيرة والخلق قد تاهوا في هذه البادية فلا طريق إلا أن أطلب الطريق ممن هو بإرشاد السالكين حقيق فقال: اهدنا الصراط المستقيم ، ثم أنه لا بدّ لسالك الطريق من رفيق ومن بدرقة ودليل فقال: صراط الذين أنعمت عليهم ، والذين أنعم الله عليهم هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون ، فالأنبياء هم الأدلاء ، والصديقون هم البدرقة ، والشهداء والصالحون هم الرفقاء ، ثم قال: غير المغضوب عليهم ولا الضالين ، وذلك لأن الحجب عن الله قسمان: الحجب النارية وهي عالم الدنيا ثم الحجب النورية وهي عالم الأرواح فاعتصم بالله سبحانه وتعالى من هذين الأمرين ، وهو أن لا يبقى مشغول السر لا بالحجب النارية ولا بالحجب النورية .