فهرس الكتاب

الصفحة 284 من 8321

{ الم تَنزِيلُ الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ } [ السجدة: 2 ] وتأليف هذا ظاهر .

تفسير قوله تعالى: { لاَ رَيْبَ فِيهِ } :

قوله تعالى: { لاَ رَيْبَ فِيهِ } فيه مسألتان:

المسألة الأولى: الريب قريب من الشك ، . وفيه زيادة ، كأنه ظن سوء تقول رابني أمر فلان إذا ظننت به سوء ، ومنها قوله عليه السلام:"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"فإن قيل: قد يستعمل الريب في قولهم: «ريب الدهر» و «ريب الزمان» أي حوادثه قال الله تعالى: { نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المنون } [ الطور: 30 ] ويستعمل أيضًا في معنى ما يختلج في القلب من أسباب الغيظ كقول الشاعر

قضينا من تهامة كل ريب ... وخيبر ثم أجمعنا السيوفا

قلنا: هذان قد يرجعان إلى معنى الشك ، لأن ما يخاف من ريب المنون محتمل ، فهو كالمشكوك فيه ، وكذلك ما اختلج بالقلب فهو غير متيقن ، فقوله تعالى: { لاَ رَيْبَ فِيهِ } المراد منه نفي كونه مظنة للريب بوجه من الوجوه ، والمقصود أنه لا شبهة في صحته ، ولا في كونه من عند الله ، ولا في كونه معجزًا . ولو قلت: المراد لا ريب في كونه معجزًا على الخصوص كان أقرب لتأكيد هذا التأويل بقوله: { وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا } [ البقرة: 23 ] وها هنا سؤالان: السؤال الأول: طعن بعض الملحدة فيه فقال: إن عني أنه لا شك فيه عندنا فنحن قد نشك فيه ، وإن عنى أنه لا شك فيه عنده فلا فائدة فيه . الجواب: المراد أنه بلغ في الوضوح إلى حيث لا ينبغي لمرتاب أن يرتاب فيه ، والأمر كذلك؛ لأن العرب مع بلوغهم في الفصاحة إلى النهاية عجزوا عن معارضة أقصر سورة من القرآن ، وذلك يشهد بأنه بلغت هذه الحجة في الظهور إلى حيث لا يجوز للعاقل أن يرتاب فيه . السؤال الثاني: لم قال ههنا: { لاَ رَيْبَ فِيهِ } وفي موضع آخر { لاَ فِيهَا غَوْلٌ } [ الصافات: 47 ] ؟ الجواب: لأنهم يقدمون الأهم فالأهم ، وههنا الأهم نفي الريب بالكلية عن الكتاب ، ولو قلت: لا فيه ريب لأوهم أن هناك كتابًا آخر حصل الريب فيه لا ها هنا ، كما قصد في قوله: { لاَ فِيهَا غَوْلٌ } تفضيل خمر الجنة على خمور الدنيا ، فإنها لا تغتال العقول كما تغتالها خمرة الدنيا السؤال الثالث: من أين يدل قوله: { لاَ رَيْبَ فِيهِ } على نفي الريب بالكلية؟ الجواب: قرأ أبو الشعثاء { لاَ رَيْبَ فِيهِ } بالرفع . واعلم أن القراءة المشهورة توجب ارتفاع الريب بالكلية ، والدليل عليه أن قوله: { لاَ رَيْبَ } نفي لماهية الريب ونفي الماهية يقتضي نفي كل فرد من أفراد الماهية ، لأنه لو ثبت فرد من أفراد الماهية لثبتت الماهية ، وذلك يناقض نفي الماهية ، ولهذا السر كان قولنا: «لا إله إلا الله» نفيًا لجميع الآلهة سوى الله تعالى . وأما قولنا: «لا ريب فيه» بالرفع فهو نقيض لقولنا: «ريب فيه» وهو يفيد ثبوت فرد واحد ، فذلك النفي يوجب انتفاء جميع الأفراد ليتحقق التناقض .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت