الوقف على «فيه» :
المسألة الثانية: الوقف على { فِيهِ } هو المشهور ، وعن نافع وعاصم أنهما وقفا على { لاَ رَيْبَ } ولا بدّ للواقف من أن ينوي خبرًا ، ونظيره قوله: { قَالُواْ لاَ ضَيْرَ } [ الشعراء: 50 ] وقول العرب: لا بأس ، وهي كثيرة في لسان أهل الحجاز؛ والتقدير: { لاَ رَيْبَ فِيهِ } { فِيهِ هُدًى } . واعلم أن القراءة الأولى أولى؛ لأن على القراءة الأولى يكون الكتاب نفسه هدى ، وفي الثانية لا يكون الكتاب نفسه هدى بل يكون فيه هدى ، والأول أولى لما تكرر في القرآن من أن القرآن نور وهدى والله أعلم .
حقيقة الهدى:
قوله تعالى: { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } فيه مسائل:
المسألة الأولى: في حقيقة الهدى: الهدى عبارة عن الدلالة ، وقال صاحب ( الكشاف ) : الهدى هو الدلالة الموصلة إلى البغية ، وقال آخرون: الهدى هو الاهتداء والعلم . والذي يدل على صحة القول الأول وفساد القول الثاني والثالث أنه لو كان كون الدلالة موصلة إلى البغية معتبرًا في مسمى الهدى لامتنع حصول الهدى عند عدم الاهتداء ، لأن كون الدلالة موصلة إلى الاهتداء حال عدم الاهدتاء محال ، لكنه غير ممتنع بدليل قوله تعالى: { وَأَمَّا ثَمُودُ فهديناهم فاستحبوا العمى عَلَى الهدى } [ فصلت: 17 ] أثبت الهدى مع عدم الاهتداء ، ولأنه يصح في لغة العرب أن يقال: هديته فلم يهتد ، وذلك يدل على قولنا ، واحتج صاحب الكشاف بأمور ثلاثة: أولها: وقوع الضلالة في مقابلة الهدى ، قال تعالى: { أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } [ البقرة: 16 ] وقال: { لعلى هُدًى أوفِى ضلال مُّبِينٍ } [ سبأ: 24 ] وثانيها: يقول مهدي في موضع المدح كمهتدي ، فلو لم يكن من شرط الهدى كون الدلالة موصلة إلى البغية لم يكن الوصف بكونه مهديًا مدحًا لاحتمال أنه هدى فلم يهتد وثالثها: أن اهتدى مطاوع هدى يقال: هديته فاهتدى ، كما يقال: كسرته فانكسر ، وقطعته فانقطع فكما أن الإنكسار والانقطاع لا زمان للكسر والقطع ، وجب أن يكون الاهتداء من لوازم الهدى . والجواب عن الأول: أن الفرق بين الهدى وبين الاهتداء معلوم بالضرورة ، فمقابل الهدى هو الإضلال ومقابل الاهتداء هو الضلال ، فجعل الهدى في مقابلة الضلال ممتنع ، وعن الثاني: أن المنتفع بالهدى سمي مهديًا ، وغير منتفع به لا يسمى مهديًا؛ ولأن الوسيلة إذا لم تفض إلى المقصود كانت نازلة منزلة المعدوم . وعن الثالث: أن الائتمار مطاوع الأمر يقال: أمرته فائتمر ، ولم يلزم منه أن يكون من شرط كونه آمرًا حصول الائتمار ، فكذا هذا لا يلزم من كونه هدى أن يكون مفضيًا إلى الاهتداء ، على أنه معارض بقوله: هديته فلم يهتد ، ومما يدل على فساد قول من قال الهدى هو العلم خاصة أن الله تعالى وصف القرآن بأنه هدى ولا شك أنه في نفسه ليس بعلم ، فدل على أن الهدى هو الدلالة لا الاهتداء والعلم .