[ المؤمنون: 52 ] وأما ترك المعصية فقوله: { وَأْتُواْ البيوت مِنْ أبوابها واتقوا الله } [ البقرة: 189 ] أي فلا تعصوه ، وأما الإخلاص فقوله في الحج: { فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القلوب } [ الحج: 32 ] أي من إخلاص القلوب ، فكذا قوله: { وإياى فاتقون } [ البقرة: 41 ] واعلم أن مقام التقوى مقام شريف قال تعالى: { إِنَّ الله مَعَ الذين اتقوا والذين هُم مُّحْسِنُونَ } [ النحل: 128 ] وقال: { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أتقاكم } [ الحجرات: 13 ] وعن ابن عباس قال عليه السلام: « من أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله ، ومن أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله ، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق مما في يده » وقال علي بن أبي طالب: التقوى ترك الإصرار عل المعصية ، وترك الاغترار وبالطاعة . قال الحسن: التقوى أن لا تختار عل الله سوى الله ، وتعلم أن الأمور كلها بيد الله . وقال إبراهيم بن أدهم: التقوى أن لا يجد الخلق في لسانك عيبًا . ولا الملائكة في أفعالك عيبًا ولا ملك العرش في سرك عيبًا وقال الواقدي: التقوى أن تزين سرك للحق كما زينت ظاهرك للخلق ، ويقال: التقوى أن لا يراك مولاك حيث نهاك ، ويقال: المتقي من سلك سبيل المصطفى ، ونبذ الدنيا وراء القفا ، وكلف نفسه الإخلاص والوفا ، واجتنب الحرام والجفا ، ولو لم يكن للمتقي فضيلة إلا ما في قوله تعالى: { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } كفاه ، لأنه تعالى بين أن القرآن هدى للناس في قوله: { شَهْرُ رَمَضَانَ الذى أُنزِلَ فِيهِ القرآن هُدًى لّلنَّاسِ } [ البقرة: 185 ] ثم قال ههنا في القرآن: إنه هدى للمتقين ، فهذا يدل على أن المتقين هم كل الناس ، فمن لا يكون متقيًا كأنه ليس بإنسان .
المسألة الثالثة: في السؤالات: السؤال الأول: كون الشيء هدى ودليلًا لا يختلف بحسب شخص دون شخص ، فلماذا جعل القرآن هدى للمتقين فقط؟ وأيضًا فالمتقي مهتدي ، والمهتدي لا يهتدي ثانيًا والقرآن لا يكون هدى للمتقين . الجواب: القرآن كما أنه هدى للمتقين ودلالة لهم على وجود الصانع ، وعلى دينه وصدق رسوله ، فهو أيضًا دلالة للكافرين . إلا أن الله تعالى ذكر المتقين مدحًا ليبين أنهم هم الذين اهتدوا وانتفعوا به كما قال: { إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يخشاها } [ النازعات: 45 ] وقال: { إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتبع الذكر } [ ياس: 11 ] وقد كان عليه السلام منذرًا لكل الناس ، فذكر هؤلاء الناس لأجل أن هؤلاء هم الذين انتفعوا بإنذاره . وأما من فسر الهدى بالدلالة الموصلة إلى المقصود فهذا السؤال زائل عنه ، لأن كون القرآن موصلًا إلى المقصود ليس إلا في حق المتقين . السؤال الثاني: كيف وصف القرآن كله بأنه هدى وفيه مجمل ومتشابه كثير؛ ولولا دلالة العقل لما تميز المحكم عن المتشابه ، فيكون الهدى في الحقيقة هو الدلالة العقلية لا القرآن ، ومن هذا نقل عن علي بن أبي طالب Bه أنه قال لابن عباس حين بعثه رسولًا إلى الخوارج . لا تحتج عليهم بالقرآن ، فإنه خصم ذو وجهين ، ولو كان هدى لما قال علي بن أبي طالب ذلك فيه؛ ولأنا نرى جميع فرق الإسلام يحتجون به ، ونرى القرآن مملوءًا من آيات بعضها صريح في الجبر وبعضها صريح في القدر ، فلا يمكن التوفيق بينهما إلا بالتعسف الشديد ، فكيف يكون هدى؟ .