{ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ } [ القصص: 77 ] .
البحث الثاني: تمسك بعضهم بقوله: { كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ } بأن الأصل في المنافع الإباحة والإطلاق ، لأن قوله: { كُلُواْ } خطاب عام يتناول الكل ، فصار هذا جاريًا مجرى قوله تعالى: { خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الأرض جَمِيعًا } [ البقرة: 29 ] وأيضًا يمكن التمسك به على أن الأصل عدم وجوب الصدقة ، وأن من ادعى إيجابه كان هو المحتاج إلى الدليل ، فيتمسك به في أن المجنون إذا أفاق في أثناء الشهر ، لا يلزمه قضاء ما مضى ، وفي أن الشارع في صوم النفل لا يجب عليه الإتمام .
البحث الثالث: قوله: { كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ } يدل على أن صيغة الأمر قد ترد في غير موضع الوجوب وفي غير موضع الندب ، وعند هذا قال بعضهم: الأصل في الاستعمال الحقيقة ، فوجب جعل هذه الصيغة مفيدة لرفع الحجر ، فلهذا قالوا: الأمر مقتضاه الإباحة ، إلا أنا نقول: نعلم بالضرورة من لغة العرب أن هذه الصيغة تفيد ترجيح جانب الفعل ، وأن حملها على الإباحة لا يصار إليه إلا بدليل منفصل .
أما قوله تعالى: { وآتو حقه يوم حصاده } ففيه أبحاث:
البحث الأول: قرأ ابن عامر وأبو عمرو وعاصم { حَصَادِهِ } بفتح الحاء والباقون بكسر الحاء قال الواحدي: قال جميع أهل اللغة يقال: حصاد وحصاد ، وجداد وجداد ، وقطاف وقطاف ، وجذاذ وجذاذ ، وقال سيبويه جاؤا بالمصادر حين أرادوا انتهاء الزمان على مثال فعال ، وربما قالوا فيه فعال .
البحث الثاني: في تفسير قوله: { وآتو حقه } ثلاثة أقوال .
القول الأول: قال ابن عباس في رواية عطاء يريد به العشر فيما سقت السماء ، ونصف العشر فيما سقي بالدواليب ، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وطاوس والضحاك .
فإن قالوا: كيف يؤدي الزكاة يوم الحصاد والحب في السنبل؟ وأيضًا هذه السورة مكية ، وإيجاب الزكاة مدني .
قلنا: لما تعذر إجراء قوله: { وآتو حقه } على ظاهره بالدليل الذي ذكرتم لا جرم حلمناه على تعلق حق الزكاة به في ذلك الوقت ، والمعنى: اعزموا على إيتاء الحق يوم الحصاد ولا تؤخروه عن أول وقت يمكن فيه الإيتاء .
والجواب عن السؤال الثاني: لا نسلم أن الزكاة ما كانت واجبة في مكة ، بل لا نزاع أن الآية المدنية وردت بإيجابها ، إلا أن ذلك لا يمنع أنها كانت واجبة بمكة . وقيل أيضًا: هذه الآية مدنية .
والقول الثاني: أن هذا حق في المال سوى الزكاة . وقال مجاهد: إذا حصدت فحضرت المساكين فاطرح لهم منه ، وإذا درسته وذريته فاطرح لهم منه ، وإذا كربلته فاطرح لهم منه ، وإذا عرفت كيله فاعزل زكاته .
والقول الثالث: أن هذا كان قبل وجوب الزكاة ، فلما فرضت الزكاة نسخ هذا ، وهذا قول سعيد بن جبير ، والأصح هو القول الأول ، والدليل عليه أن قوله تعالى: { وآتوا حقه } إنما يحسن ذكره لو كان ذلك الحق معلومًا قبل ورود هذه الآية لئلا تبقى هذه الآية مجملة وقد قال E: