[ آل عمران: 64 ] { فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لّلسَّائِلِينَ } [ فصلت: 10 ] بمعنى مستوية ، فكأنه قيل إن الذين كفروا مستو عليهم إنذارك وعدمه .
المسألة الثانية: في ارتفاع سواء قولان: أحدهما: أن ارتفاعه على أنه خبر لأن و { ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ } في موضع الرفع به على الفاعلية ، كأنه قيل ، إن الذين كفروا مستو عليهم إنذارك وعدمه كما تقول: إن زيدًا مختصم أخوه وابن عمه . الثاني: أن تكون أنذرتهم أم لم تنذرهم في موضع الابتداء وسواء خبره مقدمًا بمعنى سواء عليهم إنذارك وعدمه والجملة خبر لأن ، واعلم أن الوجه الثاني أولى؛ لأن «سواء» اسم ، وتنزيله بمنزلة الفعل يكون تركًا للظاهر من غير ضرورة وأنه لا يجوز ، وإذا ثبت هذا فنقول: من المعلوم أن المراد وصف الإنذار وعدم الإنذار بالاستواء ، فوجب أن يكون سواء خبرًا فيكون الخبر مقدمًا . وذلك يدل على أن تقديم الخبر على المبتدأ جائز ، ونظيره قوله تعالى: { سَوَاء محياهم ومماتهم } [ الجاثية: 21 ] وروى سيبويه قولهم: «تميمي أنا» / «ومشنوء من يشنؤك» أما الكوفيون فإنهم لا يجوزونه واحتجوا عليه من وجهين: الأول: المبتدأ ذات ، والخبر صفة ، والذات قبل الصفة بالاستحقاق ، فوجب أن يكون قبلها في اللفظ قياسًا على توابع الإعراب والجامع التبعية المعنوية . الثاني: أن الخبر لا بدّ وأن يتضمن الضمير ، فلو قدم الخبر على المبتدأ لوجد الضمير قبل الذكر ، وأنه غير جائز ، لأن الضمير هو اللفظ الذي أشير به إلى أم معلوم ، فقبل العلم به امتنعت الإشارة إليه ، فكان الإضمر قبل الذكر محالًا ، أجاب البصريون على الأول بأن ما ذكرتم يقتضي أن يكون تقدم المبتدأ أولى ، لا أن يكون واجبًا وعن الثاني: أن الإضمار قبل الذكر واقع في كلام العرب ، كقولهم: «في بيته يؤتى الحكم» قال تعالى: { فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ خِيفَةً موسى } [ طه: 67 ] وقال زهير:
فمن يلق يومًا على علاته هرما ... يلق السماحة منه والندى خلقا
والله أعلم .
المسألة الثالثة: اتفقوا على أن الفعل لا يخبر عنه ، لأن من قال: خرج ضرب لم يكن آتيًا بكلام منتظم ، ومنهم من قدح فيه بوجوه: أحدها: أن قوله: { ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ } فعل وقد أخبر عنه بقوله: { سَوَاء عَلَيْهِمْ } ونظيره قوله: { ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيات لَيَسْجُنُنَّهُ حتى حِينٍ } [ يوسف: 35 ] فاعل «بدا» هو «ليسجننه» وثانيها: أن المخبر عنه بأنه فعل لا بدّ وأن يكون فعلًا ، فالفعل قد أخبر عنه بأنه فعل فإن قيل: المخبر عنه بأنه فعل هو تلك الكلمة ، وتلك الكلمة اسم قلنا فعلى هذا: المخبر عنه بأنه فعل إذا لم يكن فعلًا بل إسمًا كان هذا الخبر كذبًا ، والتحقيق أن المخبر عنه بأنه فعل إما أن يكون اسمًا أو لا يكون ، فإن كان الأول كان هذا الخبر كذبًا ، لأن الاسم لا يكون فعلًا ، وإن كان فعلًا فقد صار الفعل مخبرًا عنه وثالثها: أنا إذا قلنا: الفعل لا يخبر عنه فقد أخبرنا عنه بأنه لا يخبر عنه ، والمخبر عنه بهذا الخبر لو كان اسمًا لزم أنا قد أخبرنا عن الاسم بأنه لا يخبر عنه ، وهذا خطأ وإن كان فعلًا صار الفعل مخبرًا عنه ثم قال هؤلاء: لما ثبت أنه لا امتناع في الإخبار عن الفعل لم يكن بنا حاجة إلى ترك الظاهر . أما جمهور النحويين فقد أطبقوا على أنه لا يجوز الإخبار عن الفعل ، فلا جرم كان التقدير: سواء عليهم إنذارك وعدم إنذارك ، فإن قيل العدول عن الحقيقة إلى المجاز لا بدّ وأن يكون لفائدة زائدة إما في المعنى أو في اللفظ فما تلك الفائدة ههنا؟ قلنا قوله: { سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ } معناه سواء عليهم إنذارك وعدم إنذارك لهم بعد ذلك لأن القوم كانوا قد بلغوا في الإصرار واللجاج والإعراض عن الآيات والدلائل إلى حالة ما بقي فيهم البتة رجاء القبول بوجه . وقبل ذلك ما كانوا كذلك ، ولو قال سواء عليهم إنذارك وعدم إنذارك لما أفاد أن هذا المعنى إنما حصل في هذا الوقت دون ما قبله ، ولما قال: { ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ } أفاد أن هذه الحالة إنما حصلت في هذا الوقت فكان ذلك يفيد حصول اليأس وقطع الرجاء منهم ، وقد بينا أن المقصود من هذه الآية ذلك .