فهرس الكتاب

الصفحة 3128 من 8321

{ وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن السماء مَاء لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ } [ الأنفال: 11 ] وإذا كان الأمر كذلك ، فكل ماله ارتفاع وعلو وسمو كان سماء ، فلو كان إله العالم موجودًا فوق العرش ، لكان ذات الإله تعالى سماء لساكني العرش . فثبت أنه تعالى لو كان فوق العرش لكان سماء والله تعالى حكم بكونه خالقًا لكل السموات في آيات كثيرة منها هذه الآية وهو قوله: { إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذى خَلَقَ السموات والأرض } فلو كان فوق العرش سماء لسكان أهل العرش لكان خالقًا لنفسه وذلك محال .

وإذا ثبت هذا فنقول: قوله: { الذى خَلَقَ السموات والأرض } آية محكمة دالة على أن قوله: { ثُمَّ استوى عَلَى العرش } من المتشابهات التي يجب تأويلها ، وهذه نكتة لطيفة ، ونظير هذا أنه تعالى قال في أول سورة الأنعام: { وَهُوَ الله فىلسموات } [ الأنعام: 3 ] ثم قال بعده بقليل: { قُل لِّمَن مَّا فىلسموات والأرض قُل لِلَّهِ } [ الأنعام: 12 ] فدلت هذه الآية المتأخرة على أن كل ما في السموات ، فهو ملك لله فلو كان الله في السموات لزم كونه ملكًا لنفسه ، وذلك محال فكذا ههنا ، فثبت بمجموع هذه الدلائل العقلية والنقلية أنه لا يمكن حمل قوله: { ثُمَّ استوى عَلَى العرش } على الجلوس والاستقرار وشغل المكان والحيز ، وعند هذا حصل للعلماء الراسخين مذهبان: الأول: أن نقطع بكونه تعالى متعاليًا عن المكان والجهة ولا نخوض في تأويل الآية على التفصيل بل نفوض علمها إلى الله ، وهو الذي قررناه في تفسير قوله: { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله والراسخون فِي العلم يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ } [ آل عمران: 7 ] وهذا المذهب هو الذي نختاره ونقول به ونعتمد عليه .

والقول الثاني: أن نخوض في تأويله على التفصيل ، وفيه قولان ملخصان: الأول: ما ذكره القفال رحمة الله عليه فقال: { العرش } في كلامهم هو السرير الذي يجلس عليه الملوك ، ثم جعل العرش كناية عن نفس الملك ، يقال: ثل عرشه أي انتفض ملكه وفسد . وإذا استقام له ملكه واطرد أمره وحكمه قالوا: استوى على عرشه ، واستقر على سرير ملكه ، هذا ما قاله القفال . وأقول: إن الذي قاله حق وصدق وصواب ، ونظيره قولهم للرجل الطويل: فلان طويل النجاد وللرجل الذي يكثر الضيافة كثير الرماد ، وللرجل الشيخ فلان اشتعل رأسه شيبًا ، وليس المراد في شيء من هذه الألفاظ إجراؤها على ظواهرها ، إنما المراد منها تعريف المقصود على سبيل الكناية فكذا ههنا يذكر الاستواء على العرش ، والمراد نفاذ القدرة وجريان المشيئة ، ثم قال القفال C تعالى: والله تعالى لما دل على ذاته وعلى صفاته وكيفية تدبيره العالم على الوجه الذي ألفوه من ملوكهم ورؤسائهم استقر في قلوبهم عظمة الله وكمال جلاله ، إلا أن كل ذلك مشروط بنفي التشبيه ، فإذا قال: إنه عالم فهموا منه أنه لا يخفى عليه تعالى شيء ، ثم علموا بعقولهم أنه لم يحصل ذلك العلم بفكرة ولا روية ولا باستعمال حاسة ، وإذا قال: قادر علموا منه أنه متمكن من إيجاد الكائنات ، وتكوين الممكنات ، ثم علموا بعقولهم أنه غني في ذلك الإيجاد ، والتكوين عن الآلات والأدوات ، وسبق المادة والمدة والفكرة والروية ، وهكذا القول في كل صفاته ، وإذا أخبر أن له بيتًا يجب على عباده حجة فهموا منه أنه نصب لهم موضعًا يقصدونه لمسألة ربهم وطلب حوائجهم كما يقصدون بيوت الملوك والرؤساء لهذا المطلوب ، ثم علموا بعقولهم نفي التشبيه ، وأنه لم يجعل ذلك البيت مسكنًا لنفسه ، ولم ينتفع به في دفع الحر والبرد بعينه عن نفسه ، فإذا أمرهم بتحميده وتمجيده فهموا منه أنه أمرهم بنهاية تعظيمه ، ثم علموا بعقولهم أنه لا يفرح بذلك التحميد والتعظيم ولا يغتم بتركه والإعراض عنه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت