{ وَإِذَا رَأَوْاْ تجارة أَوْ لَهْوًا انفضوا إِلَيْهَا } [ الجمعة: 11 ] جعل الضمير للتجارة . وقال: { وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا } [ النساء: 112 ] فجعل الضمير للإثم . وثالثها: أن يكون التقدير: ولا ينفقونها والذهب كذلك كما أن معنى قوله:
وإني وقيار بها لغريب ... أي وقيا كذلك .
فإن قيل: ما السبب في أن خصا بالذكر من بين سائر الأموال؟
قلنا: لأنهما الأصل المعتبر في الأموال وهما اللذان يقصدان بالكنز .
واعلم أنه تعالى لما ذكر الذين يكنزون الذهب والفضة . قال: { فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } أي فأخبرهم على سبيل التهكم لأن الذين يكنزون الذهب والفضة إنما يكنزونهما ليتوسلوا بهما إلى تحصيل الفرج يوم الحاجة . فقيل هذا هو الفرج كما يقال تحيتهم ليس إلا الضرب وإكرامهم ليس إلا الشتم ، وأيضًا فالبشارة عن الخير الذي يؤثر في القلب ، فيتغير بسببه لون بشرة الوجه ، وهذا يتناول ما إذا تغيرت البشرة بسبب الفرح أو بسبب الغم .
ثم قال تعالى: { يَوْمَ يحمى عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فتكوى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كنزتم لأنفسكم } ، وفي قراءة أبي { وبطونهم } وفيه سؤالات:
السؤال الأول: لا يقال أحميت على الحديد ، بل يقال: أحميت الحديد فما الفائدة في قوله: { يَوْمَ يحمى عَلَيْهَا } .
والجواب: ليس المراد أن تلك الأموال تحمى على النار ، بل المراد أن النار تحمى على تلك الأموال التي هي الذهب والفضة ، أي يوقد عليها نار ذات حمى وحر شديد ، وهو مأخوذ من قوله: { نَارٌ حَامِيَةٌ } [ القارعة: 11 ] ولو قيل يوم تحمى لم يفد هذه الفائدة .
فإن قالوا: لما كان المراد يوم تحمى النار عليها ، فلم ذكر الفعل؟
فلنا: لأن النار تأنيثها لفظي ، والفعل غير مسند في الظاهر إليه ، بل إلى قوله: { عَلَيْهَا } فلا جرم حسن التذكير والتأنيث وعن ابن عامر أنه قرأ { تحمى } بالتاء .
السؤال الثاني: ما الناصب لقوله: { يَوْمَ } .
الجواب: التقدير فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها .
السؤال الثالث: لم خصت هذه الأعضاء؟
والجواب لوجوه: أحدها: أن المقصود من كسب الأموال حصول فرح في القلب يظهر أثره في الوجوه ، وحصول شبع ينتفخ بسببه الجنبان ، ولبس ثياب فاخرة يطرحونها على ظهورهم ، فلما طلبوا تزين هذه الأعضاء الثلاثة ، لا جرم حصل الكي على الجباه والجنوب والظهور . وثانيها: أن هذه الأعضاء الثلاثة مجوفة ، قد حصل في داخلها آلات ضعيفة يعظم تألمها بسبب وصول أدنى أثر إليها بخلاف سائر الأعضاء . وثالثها: قال أبو بكر الوراق: خصت هذه المواضع بالذكر لأن صاحب المال إذا رأى الفقير بجنبه تباعد عنه وولى ظهره . ورابعها: أن المعنى أنهم يكوون على الجهات الأربع ، إما من مقدمه فعلى الجبهة ، وإما من خلفه فعلى الظهور ، وإما من يمينه ويساره فعلى الجنبين . وخامسها: أن ألطف أعضاء الإنسان جبينه والعضو المتوسط في اللطافة والصلابة جنبه ، والعضو الذي هو أصلب أعضاء الإنسان ظهره ، فبين تعالى أن هذه الأقسام الثلاثة من أعضائه تصير مغمورة في الكي ، والغرض منه التنبيه على أن ذلك الكي يحصل في تلك الأعضاء . وسادسها: أن كمال حال بدن الإنسان في جماله وقوته أما الجمال فمحله الوجه ، وأعز الأعضاء في الوجه الجبهة ، فإذا وقع الكي في الجبهة ، فقد زال الجمال بالكلية ، وأما القوة فمحلها الظهر والجنبان ، فإذا حصل الكي عليها فقد زالت القوة عن البدن ، فالحاصل: أن حصول الكي في هذه الأعضاء الثلاثة يوجب زوال الجمال وزوال القوة ، والإنسان إنما طلب المال لحصول الجمال ولحصول القوة .