فهرس الكتاب

الصفحة 4645 من 8321

وأجاب الناصرون لقراءة علي عليه السلام عن دليل ابن عباس فقالوا قوله: { وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتها أَنفُسُهُمْ } يدل على أنهم استيقنوا شيئًا ما فأما أنهم استيقنوا كون هذه الآيات نازلة من عند الله فليس في الآية ما يدل عليه ، وأجابوا عن الوجه الثاني بأن فرعون قَال { إِنَّ رَسُولَكُمُ الذى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ } [ الشعراء: 27 ] قال موسى: { لَقَدْ عَلِمْتَ } فكأنه نفي ذلك وقال لقد علمت صحة ما أتيت به علمًا صحيحًا علم العقلاء . واعلم أن هذه الآيات من عند الله ولا تشك في ذلك بسبب سفاهتك .

البحث الثاني: التقدير ما أنزل هؤلاء الآيات ونظيره قوله: والعيش بعد أولئك الأقوام .

وقوله { بصائر } أي حججًا بينة كأنها بصائر العقول وتحقيق الكلام أن المعجزة فعل خارق للعادة فعله فاعله لغرض تصديق المدعى ومعجزات موسى E كانت موصوفة بهذين الوصفين لأنها كانت أفعالًا خارقة للعادة وصرائح العقول تشهد بأن قلب العصا حية معجزة عظيمة لا يقدر عليها إلا الله ثم إن تلك الحية تلقفت حبال السحرة وعصيهم على كثرتها ثم عادت عصا كما كانت فأصناف تلك الأفعال لا يقدر عليها أحد إلا الله ، وكذا القول في فرق البحر وإظلال الجبل فثبت أن تلك الأشياء ما أنزلها إلا رب السموات . الصفة الثانية: أنه تعالى إنما خلقها لتدل على صدق موسى في دعوة النبوة ، وهذا هو المراد من قوله: { مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السموات والأرض } حال كونها بصائر أي دالة على صدق موسى في دعواه وهذه الدقائق لا يمكن فهمها من القرآن إلا بعد إتقان علم الأصول وأقول يبعد أن يصير غير علم الأصول العقلي قاهرًا في تفسير كلام الله ثم حكى تعالى أن موسى قال لفرعون: { إِنّى لأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا } [ الإسراء: 103 ] واعلم أن فرعون قال لموسى: { وَإِنّى لأَظُنُّكَ يا موسى مَّسْحُورًا } فعارضه موسى وقال له: { وَإِنّى لأَظُنُّكَ يافرعون مَثْبُورًا } قال الفراء: المثبور الملعون المحبوس عن الخير والعرب تقول ما ثبرك عن هذا أي ما منعك منه وما صرفك ، وقال أبو زيد: يقال ثبرت فلانًا عن الشيء أثبره أي رددته عنه ، وقال مجاهد وقتادة هالكًا ، وقال الزجاج: يقال ثبر الرجل فهو مثبور إذا هلك ، والثبور الهلاك ، ومن معروف الكلام فلان يدعو بالويل والثبور عند مصيبة تناله ، وقال تعالى: { دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُورًا * لاَّ تَدْعُواْ اليوم ثُبُورًا واحدا وادعوا ثُبُورًا كَثِيرًا } [ الفرقان: 13 ، 14 ] واعلم أن فرعون لما وصف موسى بكونه مسحورًا أجابه موسى بأنك مثبور يعني هذه الآيات ظاهرة ، وهذه المعجزات قاهرة ولا يرتاب العاقل في أنها من عند الله وفي أنه تعالى إنما أظهرها لأجل تصديقي وأنت تنكرها فلا يحملك على هذا الإنكار إلا الحسد والعناد والغي والجهل وحب الدنيا ومن كان كذلك كانت عاقبته الدمار والثبور .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت