{ الله خالق كُلّ شَيْء } [ الزمر: 62 ] فوجب حمل هذه الآية على أنه { أَحْسَنُ الخالقين } في اعتقادكم وظنكم ، كقوله تعالى: { وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } [ الروم: 27 ] أي هو أهون عليه في اعتقادكم وظنكم والجواب الثاني: هو أن الخالق هو المقدر لأن الخلق هو التقدير والآية تدل على أنه سبحانه أحسن المقدرين ، والتقدير يرجع معناه إلى الظن والحسبان ، وذلك في حق الله سبحانه محال ، فتكون الآية من المتشابهات والجواب الثالث: أن الآية تقتضي كون العبد خالقًا بمعنى كونه مقدرًا ، لكن لم قلت بأنه خالق بمعنى كونه موجدًا .
المسألة الثانية: قالت المعتزلة الآية تدل على أن كل ما خلقه حسن وحكمة وصواب وإلا لما جاز وصفه بأنه أحسن الخالقين ، وإذا كان كذلك وجب أن لا يكون خالقًا للكفر والمعصية فوجب أن يكون العبد هو الموجد لهما؟ والجواب: من الناس من حمل الحسن على الإحكام والاتقان في التركيب والتأليف ، ثم لو حملناه على ما قالوه فعندنا أنه يحسن من الله تعالى كل الأشياء لأنه ليس فوقه أمر ونهي حتى يكون ذلك مانعًا له عن فعل شيء .
المسألة الثالثة: روى الكلبي عن ابن عباس Bهما أن عبدالله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب هذه الآيات لرسول الله A فلما انتهى إلى قوله تعالى: { خَلْقًا ءَاخَرَ } عجب من ذلك فقال: { فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين } فقال رسول الله A: « اكتب فهكذا نزلت » فشك عبدالله وقال إن كان محمد صادقًا فيما يقول فإنه يوحى إلي كما يوحى إليه ، وإن كان كاذبًا فلا خير في دينه فهرب إلى مكة فقيل إنه مات على الكفر ، وقيل إنه أسلم يوم الفتح ، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما نزلت هذه الآية قال عمر بن الخطاب: { فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين } فقال رسول الله A « هكذا نزلت يا عمر . » وكان عمر يقول: وافقني ربي في أربع ، في الصلاة خلف المقام ، وفي ضرب الحجاب على النسوة ، وقولي لهن: لتنتهن أو ليبدلنه الله خيرًا منكن ، فنزل قوله تعالى: { عسى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أزواجا خَيْرًا مّنكُنَّ } [ التحريم: 5 ] والرابع قلت: { فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين } فقال هكذا نزلت . قال العارفون هذه الواقعة كانت سبب السعادة لعمر ، وسبب الشقاوة لعبد الله كما قال تعالى: { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } [ البقرة: 26 ] فإن قيل فعلى كل الروايات قد تكلم البشر ابتداء بمثل نظم القرآن ، وذلك يقدح في كونه معجزًا كما ظنه عبدالله والجواب: هذا غير مستبعد إذا كان قدره القدر الذي لا يظهر فيه الإعجاز فسقطت شبهة عبدالله .