فهرس الكتاب

الصفحة 5262 من 8321

{ وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا } [ النور: 4 ] وإذا ثبت ذلك في المحدود ثبت في العبد والكافر ، إما للإجماع على أنهما ليسا من أهل الشهادة أو لأنه لا قائل بالفرق ، أجاب الشافعي C بأن اللعان ليس شهادة في الحقيقة بل هو يمين لأنه لا يجوز أن يشهد الإنسان لنفسه ، ولأنه لو كان شهادة لكانت المرأة تأتي بثمان شهادات ، لأنها على النصف من الرجل ، ولأنه يصح من الأعمى والفاسق ولا يجوز شهادتهما ، فإن قيل الفاسق والفاسقة قد يتوبان قلنا ، وكذلك العبد قد يعتق فتجوز شهادته ، ثم أكد الشافعي C ذلك بأن العبد إذا عتق تقبل شهادته في الحال والفاسق إذا تاب لا تقبل شهادته في الحال ، ثم ألزم أبا حنيفة C بأن شهادة أهل الذمة مقبولة بعضهم على بعض ، فينبغي أن يجوز اللعان بين الذمي والذمية ، وهذا كله كلام الشافعي C . ثم قال بعد ذلك: وتختلف الحدود بمن وقعت له ، ومعناه أن الزوج إن لم يلاعن تنصف حد القذف عليه لرقه ، وإن لاعن ولم تلاعن اختلف حدها بإحصانها وعدم إحصانها وحريتها ورقها .

الطرف الثالث: الأحكام المرتبة على اللعان قال الشافعي C يتعلق باللعان خمسة أحكام درء الحد ونفي الولد والفرقة والتحريم المؤبد ووجوب الحد عليها ، وكلها تثبت بمجرد لعانه ولا يفتقر فيه إلى لعانها ولا إلى حكم الحاكم ، فإن حكم الحاكم به كان تنفيذًا منه لا إيقاعًا للفرقة . فلنتكلم في هذه المسائل:

المسألة الأولى: اختلف المجتهدون في وقوع الفرقة باللعان على أربعة أقوال: أحدها: قال عثمان ألبتي: لا أرى ملاعنة الزوج امرأته تقتضي شيئًا يوجب أن يطلقها وثانيها: قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد لا تقع الفرقة بفراغهما من اللعان حتى يفرق الحاكم بينهما وثالثها: قال مالك والليث وزفر رحمهم الله إذا فرغا من اللعان وقعت الفرقة وإن لم يفرق الحاكم ورابعها: قال الشافعي C إذا أكمل الزوج الشهادة والالتعان فقد زال فراش امرأته ولا تحل له أبدًا التعنت أو لم تلتعن ، حجة عثمان البتي وجوه: أحدها: أن اللعان ليس بصريح ولا كناية عن الفرقة فوجب أن لا يفيد الفرقة كسائر الأقوال التي لا إشعار لها بالفرقة لأن أكثر ما فيه أن يكون الزوج صادقًا في قوله وهو لا يوجب تحريمًا ألا ترى أنه لو قامت البينة عليها لم يوجب ذلك تحريمًا فإذا كان كاذبًا والمرأة صادقة يثبت أنه لا دلالة فيه على التحريم وثانيها: لو تلاعنا فيما بينهما لم يوجب الفرقة فكذا لو تلاعنا عند الحاكم وثالثها: أن اللعان قائم مقام الشهود في قذف الأجنبيات فكما أنه لا فائدة في إحضار الشهود هناك إلا إسقاط الحد ، فكذا اللعان لا تأثير له إلا إسقاط الحد ورابعها: إذا أكذب الزوج نفسه في قذفه إياها ثم حد لم يوجب ذلك فرقة فكذا إذا لاعن لأن اللعان قائم مقام درء الحد ، قال وأما تفريق النبي A بين المتلاعنين فكان ذلك في قصة العجلاني وكان قد طلقها ثلاثًا بعد اللعان فلذلك فرق بينهما ، وأما قول أبي حنيفة وهو أن الحاكم يفرق بينهما فلا بد من بيان أمرين: أحدهما: أنه يجب على الحاكم أن يفرق بينهما ودليله ما روى سهل بن سعد في قصة العجلاني مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدًا والثاني: أن الفرقة لا تحصل إلا بحكم الحاكم ، واحتجوا عليه بوجوه: أحدها: روى في قصة عويمر أنهما لما فرغا «قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها ، هي طالق ثلاثًا» فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله A ، والاستدلال بهذا الخبر من وجوه: أحدها: أنه لو وقعت الفرقة باللعان لبطل قوله: «كذبت عليها إن أمسكتها» لأن إمساكها غير ممكن وثانيها: ما روي في هذا الخبر أنه طلقها ثلاث تطليقات فأنفذه رسول الله A ، وتنفيذ الطلاق إنما يمكن لو لم تقع الفرقة بنفس اللعان وثالثها: ما قال سهل بن سعد في هذا الخبر مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما ولا يجتمعان أبدًا ، ولو كانت الفرقة واقعة باللعان استحال التفريق بعدها وثانيها: قال أبو بكر الرازي قول الشافعي C خلاف الآية ، لأنه لو وقعت الفرقة بلعان الزوج للاعنت المرأة وهي أجنبية وذلك خلاف الآية لأن الله تعالى إنما أوجب اللعان بين الزوجين وثالثها: أن اللعان شهادة لا يثبت حكمه إلا عند الحاكم فوجب أن لا يوجب الفرقة إلا بحكم الحاكم كما لا يثبت المشهود به إلا بحكم الحاكم ورابعها: اللعان تستحق به المرأة نفسها كما يستحق المدعي بالبينة ، فلما لم يجز أن يستحق المدعي مدعاه إلا بحكم الحاكم وجب مثله في استحقاق المرأة نفسها وخامسها: أن اللعان لا إشعار فيه بالتحريم لأن أكثر ما فيه أنها زنت ولو قامت البينة على زناها أو هي أقرت بذلك فذاك لا يوجب التحريم فكذا اللعان وإذا لم يوجد فيها دلالة على التحريم وجب أن لا تقع الفرقة به ، فلا بد من إحداث التفريق إما من قبل الزوج أو من قبل الحاكم ، أما قول مالك وزفر فحجته أنهما لو تراضيا على البقاء على النكاح لم يخليا بل يفرق بينهما ، فدل على أن اللعان قد أوجب الفرقة ، أما قول الشافعي C فله دليلان الأول: قوله تعالى: { وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا العذاب أَن تَشْهَدَ } الآية فدل هذا على أنه لا تأثير للعان المرأة إلا في دفع العذاب عن نفسها ، وأن كل ما يجب باللعان من الأحكام فقد وقع بلعان الزوج الثاني: أن لعان الزوج وحده مستقل بنفي الولد فوجب أن يكون الاعتبار بقوله في الإلحاق لا بقولها ، ألا ترى أنها في لعانها تلحق الولد به ونحن ننفيه عنه فيعتبر نفي الزوج لا إلحاق المرأة ، ولهذا إذا أكذب الزوج نفسه ألحق به الولد وما دام يبقى مصرًا على اللعان فالولد منفي عنه إذا ثبت أن لعانه مستقل بنفي الولد وجب أن يكون مستقلًا بوقوع الفرقة ، لأن الفرقة لو لم تقع لم ينتف الولد لقوله عليه السلام:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت