« من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة » فوجب أن يكون لأبي بكر مثل أجر كل من يدعو إلى الله ، فيدل على الأفضلية من هذه الجهة أيضًا وسابعها: أن الظلم من ذوي القربى أشد ، قال الشاعر:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ... على المرء من وقع الحسام المهند
وأيضًا فالإنسان إذا أحسن إلى غيره فإذا قابله ذلك الغير بالإساءة كان ذلك أشد عليه مما إذا صدرت الإساءة من الأجنبي ، والجهتان كانتا مجتمعتين في حق مسطح ثم إنه آذى أبا بكر بهذا النوع من الإيذاء الذي هو أعظم أنواع الإيذاء ، فانظر أين مبلغ ذلك الضرر في قلب أبي بكر ، ثم إنه سبحانه أمره بأن لا يقطع عنه بره وأن يرجع معه إلى ما كان عليه من الإحسان ، وذلك من أعظم أنواع المجاهدات ، ولا شك أن هذا أصعب من مقاتلة الكفار لأن هذا مجاهدة مع النفس وذلك مجاهدة مع الكافر ومجاهدة النفس أشق ، ولهذا قال E: « رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر » وثامنها: أن الله تعالى لما أمر أبا بكر بذلك لقبه بأولي الفضل وأولي السعة كأنه سبحانه يقول أنت أفضل من أن تقابل إساءته بشيء وأنت أوسع قلبًا من أن تقيم للدنيا وزنًا ، فلا يليق بفضلك وسعة قلبك أن تقطع برك عنه بسبب ما صدر منه من الإساءة ، ومعلوم أن مثل هذا الخطاب يدل على نهاية الفضل والعلو في الدين وتاسعها: أن الألف واللام يفيدان العموم فالألف واللام في الفضل والسعة يدلان على أن كل الفضل وكل السعة لأبي بكر كما يقال فلان هو العالم يعني قد بلغ في الفضل إلى أن صار كأنه كل العالم وما عداه كالعدم ، وهذا وأيضًا منقبة عظيمة وعاشرها: قوله: { وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ } وفيه وجوه: منها: أن العفو قرينة التقوى وكل من كان أقوى في العفو كان أقوى في التقوى ، ومن كان كذلك كان أفضل لقوله تعالى: { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أتقاكم } [ الحجرات: 13 ] ومنها: أن العفو والتقوى متلازمان فلهذا السبب اجتمعا فيه ، أما التقوى فلقوله تعالى: { وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى } [ الليل: 17 ] وأما العفو فلقوله تعالى: { وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ } وحادي عاشرها: أنه سبحانه قال لمحمد A: { فاعف عَنْهُمْ واصفح } [ المائدة: 13 ] وقال في حق أبي بكر { وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ } فمن هذا الوجه يدل على أن أبا بكر كان ثاني اثنين لرسول الله A في جميع الأخلاق حتى في العفو والصفح وثاني عشرها: قوله: { أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ } فإنه سبحانه ذكره بكناية الجمع على سبيل التعظيم ، وأيضًا فإنه سبحانه علق غفرانه له على إقدامه على العفو والصفح فلما حصل الشرط منه وجب ترتيب الجزاء عليه ، ثم قوله: { يَغْفِرَ الله لَكُمْ } بصيغة المستقبل وأنه غير مقيد بشيء دون شيء فدلت الآية على أنه سبحانه قد غفر له في مستقبل عمره على الإطلاق فكان من هذا الوجه ثاني اثنين للرسول A في قوله: