المسألة الخامسة: يشرط أن يكون المولى مكلفًا مطلقًا ، فإن كان صبيًا أو مجنونًا أو محجورًا عليه بالسفه لا تصح كتابته كما لا يصح بيعه ، ولأن قوله: { فكاتبوهم } خطاب فلا يتناول غير العاقل ، وعند أبي حنيفة C تصح كتابة الصبي بإذن الولي .
المسألة السادسة: اختلف العلماء في أن قوله: { فكاتبوهم } أمر إيجاب أو أمر استحباب؟ فقال قائلون هو أمر إيجاب ، فيجب على الرجل أن يكاتب مملوكه إذا سأله ذلك بقيمته أو أكثر إذا علم فيه خيرًا ، ولو كان بدون قيمته لم يلزمه ، وهذا قول عمرو بن دينار وعطاء ، وإليه ذهب داود بن علي ومحمد بن جرير ، واحتجوا عليه بالآية والأثر . أما الآية فظاهر قوله تعالى: { فكاتبوهم } لأنه أمر وهو للإيجاب ، ويدل عليه أيضًا سبب نزول الآية ، فإنها نزلت في غلام لحويطب بن عبد العزى يقال له صبيح سأل مولاه أن يكاتبه فأبى عليه ، فنزلت الآية فكاتبه على مائة دينار ووهب له منها عشرين دينارًا ، وأما الأثر فما روي أن عمر أمر أنسًا أن يكاتب سيرين أبا محمد بن سيرين فأبى ، فرفع عليه الدرة وضربه وقال: { فكاتبوهم إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا } وحلف عليه ليكاتبنه ، ولو لم يكن ذلك واجبًا لكان ضربه بالدرة ظلمًا ، وما أنكر على عمر أحد من الصحابة فجرى ذلك مجرى الإجماع ، وقال أكثر الفقهاء إنه أمر استحباب وهو ظاهر قول ابن عباس والحسن والشعبي وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي والثوري واحتجوا عليه بقوله E « لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيب من نفسه » وأنه لا فرق أن يطلب الكتابة أو يطلب بيعه ممن يعتقه في الكفارة ، فكما لا يجب ذلك فكذا الكتابة وهذه طريقة المعاوضات أجمع وههنا سؤالان:
السؤال الأول: كيف يصح أن يبيع ماله بماله؟ قلنا إذا ورد الشرع به فيجب أن يجوز كما إذا علق عتقه على مال يكتسبه فيؤديه أو يؤدي عنه صار سببًا لعتقه .
السؤال الثاني: هل يستفيد العبد بعقد الكتابة ما لا يملكه؟ لولا الكتابة؟ قلنا نعم لأنه لو دفع إليه الزكاة ، ولم يكاتب لم يحل له أن يأخذها وإذا صار مكاتبًا حل له وإذا دفع إلى مولاه حل له ، سواء أدى فعتق أو عجز فعاد إلى الرق ، ويستفيد أيضًا أن الكتابة تبعثه على الجد والاجتهاد في الكسب ، فلولاها لم يكن ليفعل ذلك ، ويستفيد المولى الثواب لأنه إذا باعه فلا ثواب ، وإذا كاتبه ففيه ثواب ، ويستفيد أيضًا الولاء لأنه لو عتق من قبل غيره لم يكن له ولاء وإذا عتق بالكتابة فالولاء له ، فورد الشرع بجواز الكتابة لما ذكرناه من الفوائد .