فهرس الكتاب

الصفحة 6229 من 8321

واعلم أنه تعالى لما شرح هذه الدلائل ووصفها قال: { ذلكم الله رَبُّكُمُ } أي: ذلكم الشيء الذي عرفتم عجائب أفعاله هو الله ربكم ، وفي هذه الآية: دلالة على كونه سبحانه وتعالى منزهًا عن الأجزاء والأعضاء وعلى كونه منزهًا عن الجسمية والمكانية ، وذلك أنه تعالى عندما أراد أن يعرف عباده ذاته المخصوصة لم يذكر إلا كونه فاعلًا لهذه الأشياء ، ولو كان جسمًا مركبًا من الأعضاء لكان تعريفه بتلك الأجزاء والأعضاء تعريفًا للشيء بأجزاء حقيقته ، ولو كان ذلك القسم ممكنًا لكان الاكتفاء بهذا القسم الثاني تقصيرًا ونقصًا وذلك غير جائز ، فعلمنا أن الاكتفاء بهذا القسم إنما حسن لأن القسم الأول محال ممتنع الوجود ، وذلك يدل على كونه سبحانه وتعالى متعاليًا عن الجسمية والأعضاء والأجزاء .

ثم قال تعالى: { لَهُ الملك } وهذا يفيد الحصر أي له الملك لا لغيره ، ولما ثبت أنه لا ملك إلا له وجب القول بأنه لا إله إلا هو لأنه لو ثبت إله آخر ، فذلك الإله إما أن يكون له الملك أو لا يكون له الملك ، فإن كان له الملك فحينئذ يكون كل واحد منهما مالكًا قادرًا ويجري بينهما التمانع كما ثبت في قوله: { لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا } [ الأنبياء: 22 ] وذلك محال ، وإن لم يكن للثاني شيء من القدرة والملك فيكون ناقصًا ولا يصلح للإلهية ، فثبت أنه لما دل الدليل على أنه لا ملك إلا الله ، وجب أن يقال لا إله للعالمين ولا معبود للخلق أجمعين إلا الله الأحد الحق الصمد ، ثم اعلم أنه سبحانه لما بين بهذه الدلائل كمال قدرة الله سبحانه وحكمته ورحمته ، رتب عليه تزييف طريقة المشركين والضالين من وجوه الأول: قوله: { فأنى تُصْرَفُونَ } يحتج به أصحابنا ويحتج به المعتزلة . أما أصحابنا فوجه الاستدلال لهم بهذه الآية: أنها صريحة في أنهم لم ينصرفوا بأنفسهم عن هذه البيانات بل صرفها عنهم غيرهم ، وما ذاك الغير إلا الله ، وأيضًا فدليل العقل يقوي ذلك لأن كل واحد يريد لنفسه تحصيل الحق والصواب ، فلما لم يحصل ذلك وإنما حصل الجهل والضلال علمنا أنه من غيره لا منه ، وأما المعتزلة فوجه الاستدلال لهم: أن قوله: { فأنى تُصْرَفُونَ } تعجب من هذا الانصراف ، ولو كان الفاعل لذلك الصرف هو الله تعالى لم يبق لهذا التعجب معنى .

ثم قال تعالى: { إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنكُمْ } والمعنى أن الله تعالى ما كلف المكلفين ليجر إلى نفسه منفعة أو ليدفع عن نفسه مضرة ، وذلك لأنه تعالى غني على الإطلاق ، ويمتنع في حقه جر المنفعة ودفع المضرة ، وإنما قلنا إنه غني لوجوه: الأول: واجب الوجود لذاته وواجب الوجود في جميع صفاته ، ومن كان كذلك كان غنيًا على الإطلاق الثاني: أنه لو كان محتاجًا لكانت تلك الحاجة إما قديمة وإما حادثة . والأول باطل وإلا لزم أن يخلق في الأزل ما كان محتاجًا إليه وذلك محال ، لأن الخلق والأزل متناقض . والثاني باطل لأن الحاجة نقصان والحكيم لا يدعوه الداعي إلى تحصيل النقصان لنفسه الثالث: هب أنه يبقى الشك في أنه هل تصح الشهوة والنفرة والحاجة عليه أم لا؟ أما من المعلوم بالضرورة أن الإله القادر على خلق السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم والعرش والكرسي والعناصر الأربعة ، والمواليد الثلاثة يمتنع أن ينتفع بصلاة زيد وصيام عمرو ، وأن يضر بعدم صلاة هذا وعدم صيام ذاك ، فثبت بما ذكرنا أن جميع العالمين لو كفروا وأصروا على الجهل فإن الله غني عنهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت