[ المزمل: 6 ] وقوله: { ساجدا } حال ، وقرىء ساجد وقائم على أنه خبر بعد خبر الواو للجميع بين الصفتين .
واعلم أن هذه الآية دالة على أسرار عجيبة ، فأولها أنه بدأ فيها بذكر العلم وختم فيها بذكر العلم ، أما العمل فكونه قانتًا ساجدًا قائمًا ، وأما العلم فقوله: { هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ } وهذا يدل على أن كمال الإنسان محصور في هذين المقصودين ، فالعمل هو البداية والعلم والمكاشفة هو النهاية .
الفائدة الثانية: أنه تعالى نبه على أن الانتفاع بالعمل إنما يحصل إذا كان الإنسان مواظبًا عليه ، فإن القنوت عبارة عن كون الرجل قائمًا بما يجب عليه من الطاعات ، وذلك يدل على أن العلم إنما يفيد إذا واظب عليه الإنسان ، وقوله: { ساجدا وَقَائِمًا } إشارة إلى أصناف الأعمال وقوله: { يَحْذَرُ الأخرة وَيَرْجُو رَّحْمَةِ رَبّهِ } إشارة إلى أن الإنسان عند المواظبة ينكشف له في الأول مقام القهر وهو قوله: { يَحْذَرُ الأخرة } ثم بعده مقام الرحمة وهو قوله: { وَيَرْجُو رَّحْمَةِ رَبّهِ } ثم يحصل أنواع المكاشفات وهو المراد بقوله: { هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ } .
الفائدة الثالثة: أنه قال في مقام الخوف { يَحْذَرُ الأخرة } فما أضاف الحذر إلى نفسه ، وفي مقام الرجاء أضافه إلى نفسه ، وهذا يدل على أن جانب الرجاء أكمل وأليق بحضرة الله تعالى .
المسألة الثالثة: قيل المراد من قوله: { أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَاء اليل } عثمان لأنه كان يحيي الليل في ركعة واحدة ويقرأ القرآن في ركعة واحدة ، والصحيح أن المراد منه كل من كان موصوفًا بهذه الصفة فيدخل فيه عثمان وغيره لأن الآية غير مقتصرة عليه .
المسألة الرابعة: لا شبهة في أن في الكلام حذفًا ، والتقدير أمن هو قانت كغيره ، وإما حسن هذا الحذف لدلالة الكلام عليه ، لأنه تعالى ذكر قبل هذه الآية الكافر وذكر بعدها: { قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ } وتقدير الآية قل هل يستوي الذين يعلمون وهم الذين صفتهم أنهم يقنتون آناء الليل سجدًا وقيامًا ، والذين لا يعلمون وهم الذين وصفهم عند البلاء والخوف يوحدون وعند الراحة والفراغة يشركون ، فإذا قدرنا هذا التقدير ظهر المراد وإنما وصف الله الكفار بأنهم لا يعلمون ، لأنهم وإن آتاهم الله العلم إلا أنهم أعرضوا عن تحصيل العلم ، فلهذا السبب جعلهم كأنهم ليسوا أولي الألباب من حيث إنهم لم ينتفعوا بعقولهم وقلوبهم .
وأما قوله تعالى: { قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ } فهو تنبيه عظيم على فضيلة العلم ، وقد بالغنا في تقرير هذا المعنى في تفسير قوله تعالى: { وَعَلَّمَ ءادَمَ الأسماء كُلَّهَا } [ البقرة: 31 ] قال صاحب «الكشاف» أراد بالذين يعلمون الذين سبق ذكرهم وهم القانتون ، وبالذين لا يعلمون الذين لا يأتون بهذا العمل كأنه جعل القانتين هم العلماء ، وهو تنبيه على أن من يعمل فهو غير عالم ، ثم قال وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون العلوم ثم لا يقنتون ، ويفتنون فيها ثم يفتنون بالدنيا فهم عند الله جهلة .